الجمعة، 29 فبراير، 2008

12 معايدة عراقية


بغداد - د.جمال حسين علي



عام جديد يكتمل على العراق، خفـّاقا، جاريا بأقل وضوح وأندر طبق وأوسع طبل، فيما تغدو الأشهر الفائتة ألوانا مبعثرة ما بين الزهو والخيبة، الآمال والآلام، تدفق جماعي على حافة الحياة وتحرر المكنون وزبد الملكات والدماء الجارفة معها بيضة الانتصار الخجول. سيهديكم كل شهر عراقي فات هذا العام لوحة، نقشها راع أو عابر وربما جوال، تدثرت بأيام المحنة ومشجب المران لتتدفق بانطلاقة واحدة بطاقة أقوى من الحب. ولعلكم ستنسجون منها حكايات، وستسمعون منها أصواتا وشدوا وقد تتلمسون ما لم يره المصور ولم تشعه الصورة في جزء منها أو حولها تنغيص لـ «ألبوم الأسى» الملطخ بعالم آخذ بالتصدع، وإن خرقنا التقليد بإرسال بطاقات معايدة ليست على شاكلة الأعياد المتفق عليها، فلأن الدنيا بانحناءاتها، لم تدفئ وتطعم وتؤوي وتؤمن الجميع، فلتهبط الصور العراقية المدرعة بالمودة على حنايانا كرذاذ موصوم، ولتمرغنا كجناح منفوش ولتلهب فينا الوجه الحقيقي حين ينكسر في موجة الساقية الوحيدة المتاحة.


يناير
أطفـال الأنابيب


أنابيب النفط في العراق تنمو كالنخيل، وإن كانت مطلية بالذهب، فإنها كالسحب الجارية على هامات الشعب، لا هم ممسكون بها ولا يوجد من يطول قطرة ندى منها، أنابيب كالسحب والنجوم، تراها وليس بمستطاعك غزل قميص منها، تميل مع ريح الجنوب المتقلبة وتترطب إذ ادلهم الظلام، كأنها شرايين زرعت في هذه الأرض لا لتمص خيراتها فحسب، بل لتسحب دماء أبنائها! تبقى حكايات الأنابيب مسلـّة وجع ولون حديد لم يمس بركة على أحد وكأن جوفها المخضب بدرر البلاد، عمق سحيق لنفق أولجوا به الخلق في لعبة البحث عن أقرب مخرج. يتقافز الأطفال ما بين الأنابيب ليرووا بعد سنوات، أنهم لعبوا في الأنابيب التي جلبها غرباء ومدوها على بطونهم، لعبوا عليها وحولها، أليست هذه فائدة حسنة للأنابيب؟!

فبراير
حورية الأنقاض


هذا المبنى المتهالك بفعل صواريخ المحررين، هو دائرة الأمن العامة السيئة الصيت. وثمة فتاة صغيرة تظهر من فتحة الأنقاض التي اعتبرها أهلها باب الملجأ الذي خرجوا فيه من الدنيا. لمياء تسكن مع أشقائهاو شقيقاتها في فتحة أحدثها القصف الأمريكي قبل ثلاث سنوات، تظلل بيتهم خرقة حصلوا عليها من منظمة دولية واضح مختصر أسمها. لم يُزل أحد أو يرفع أنقاض البلاد ولم يرمم ولو مبنى واحدا فيها، والفضل الوحيد الذي جلبه هذا الإهمال، أنهم لو أعادوا بناء هذا المبنى لكانت لمياء وأشقاؤها في الشارع. فمرحى للأنقاض التي أسكنت هذه الحورية وشقيقاتها الخمس، مرحى لظلام أنقاض دائرة الأمن التي أخفت عنـّا كل هذا الجمال العابث والترام حين يدوس على خلايا الأخلاق لأغنيات وخطب وشعارات لن تكف أبدا من تذكير لمياء بالغد الموعود المبهر الازدهار.

مارس
عربة اللوعة


الحافلة الصفراء ناقلة البروليتاريا وحاملة شقائهم والملمة نفور عضلاتهم، والتي تعرف كل عناوين الشغيلة في العالم: عربة الذين يعيشون يومهم، وما أن تذبل جلودهم يرمونهم إلى الأماكن الشاغرة في الدنيا. أربعون عاما تنقل هذه العربة عمال البلاد في الذهاب والمجيء لغاية اليوم الذي استبيحت فيه كل عطايا الدولة بما فيها هذه العربة التي استقر بها العمر في ورشة اشتراكية في مدينة الصدر تناوب على نهش أشلائها كل من استطاع إليها سبيلا، لم يبق غير جسدها الأصفر وزجاجها المكسر وزوايا الطرقات غير المعبدة الذي يحفظها عن ظهر مؤشرها المنهوب. ومهما شرّحـوها لا تزال جلستها المنحنية شاهدة الألم القديم وشجار الأطفال .

أبريل
أعمى بغداد

بغض النظر عن منشئه وفصله وأصله، فهذا الشيخ البغدادي: أعمى! لكنه على خلاف المفتَّحين، يعمل طوال اليوم المضيء ويعود قبل أن تأزف ساعة منع التجول، يبيع ما تيسر له من سجائر وعلب مشروبات غازية ويعود مشيا إلى بيته. كل أهالي بغداد وسكانها الجدد يعرفونه ، وحتما أن مواكب القادة الجدد مرت عليه مرارا لأنه يتخذ من الطريق المؤدي إلى الكاظمية نقطة لممارسة عمله الشريف.لم يسرقه أحد بالرغم من انهيار قطرة الخجل من الكثيرين، ولم يتعرض لأي أذى ولم يمد أحد يديه على سلعته بدون أن يلقي عليه السلام ويطلب الإذن. فهذا العجوز الشريف فرض احترامه وإجلاله حتى على أقذر اللصوص لا يحتاج إلى الدولارات ولا إلى منطقة خضراء لتحميه، انه وسام المدينة ونشيدها الوطني!

مايو
زقاق الـحياة


هذا جزء من زقاق بغدادي عتيق في الحيدرخانة. كل البيوت فيه على وشك السقوط، لكن بغداد سقطت وهذه البيوت لم تسقط! الكثيرون تحدثوا عما فعلته أعاصير الصواريخ العابرة القارات في بيوتهم، كيف تكسرت الأرضية وتهشمت النوافذ وتصدعت السقوف، لكن بيتا واحدا في هذا الزقاق العتيق لم يتأثر، بل لم يشعر أي من سكانه أو جدرانه وسقوفه بوجود حرب! كل البيوت تكاد تسقط، فماذا سيكون حال بغداد بلا أزقتها وبيوتها وناسها القدماء، أحمال المدينة وغصونها المزهرة، تاريخها وأسوارها، ومطلع أنشودة المدينة وخاتمتها. ستبقى هذه البيوت مستردة الأحاسيس والوجدان، أقبية إرادة وحياة تمضي غير هيابة ولا مبالية بمعاني المصير والقدر والقسمة والنصيب فيما سيأتي أو يبشرون به بعناد سقيم.

يونيو
فتيات الشمس


غير مباليات لمآرب المفخخات وعباب المرضى النفسيين وأنياب المتخلفين، ممن وجدوا مسوغا وسقفا وشعارا يلطمون به هذا الفيض المستلقي على ابتسامة الطالبتين في كلية طب بغداد.كواسر البهجة وكيانات الزهري الذين ينكلون بفتيات البلاد ويعلمونهن الانصهار تحت عباءاتهم فحسب مذكريهم بالتفاحة العفنة التي أذاقوهن إياها جيل بعد جيل. غير آبهات بالورد المتناثر ولا بتلاشي الضوء في المسير، يحملن عدة التدريب على أشرف المهن وأنبلها في الإنسانية متقدمات للمكتبة الوحيدة التي تهتم بالعلوم الطبية في العاصمة .الأرض والشمس والقمر والنجوم على أكفهن وطلعتهن يوم خلقن ويوم يبعثن في النهار البغدادي المرسل بسلامة ضحكتهن.

يوليو
قصور الشعب


اختارها في أجمل بقاع العراق، لكنه لم يهنأ بها، كما لو أنه بناها لخصومه. ينتهي العام وتزداد حولها الجدران العالية والأعمدة الإسمنتية والبراميل والمدرعات والحواجز بمختلف أصنافها حتى الكلاب المدربة. كذب الأولون وأكدها اللاحقون: لا قصور للشعب! ينتهي العام ولا أحد من الشعب يستطيع الاقتراب من قصوره، تلك الأبنية الشاهقة والمزينة بالمرمر والأشجار المستوردة والمصابيح المطلية بكل الألوان، بمغازل النافورات وفقاعات السلطة الضائعة. وعلى السجية نفسها يسكنها الآن المحتلون ومن والاهم، فهي إذن قصور السلطة.

أغسطس
رجل المستقبل


الفتى العائد من مدرسته، ينوء بثقل الواجب البيتي ودراسة حقب التاريخ المزور والسباحة ضد التيار. لم تسعفه قواه على تسلق الجسر العالي المؤدي إلى بيتهم بدرجاته الهوائية ولوازم الحاجيات المدرسية في حقيبة مدونات التعليم المبلغ بالملاعق الأيديولوجية. الفتى الذي أتعبه الجسر وفضل ارتقائه مشيا بدرجاته وحقيبته ووزنه، انما يتسلق مستقبل البلاد بقدرة كل الأجيال التي سبقته، وبطاقة فريدة ستعاوده كل ظهيرة حتى يشتد ساعده ويتسلق الجسر طائرا بدرجاته، في الربيع القادم أو بعده، سيشق الفتى روابي البلاد بعلمه وبأسه الذي علمه إياه الجسر وسوداء الحياة حين تتركه وحيدا ضد الريح وقسوة الإسفلت.

سبتمبر
نصب الجيش


سلم نصب الجيش المقابل لوزارة الدفاع القديمة في الميدان من حرب الأنصاب ومكافحة التاريخ التي انشغل فيها البعض في البلاد لفترة لم تنته بعد. غير أن النصب بقي والجيش راح! لقد كلفت هذه الصورة التي قد لا تعني شيئا للكثيرين، ملتقطها، اعتقالا وقتيا لأن تصوير التماثيل حرام، ويمكن لأن هؤلاء الجنود منحلون وأن هذا موقع استراتيجي يحمل أسرار الدولة وانحطاطها، ويمكن لأن ساحة الميدان المتخصصة بالحشاشين واللصوص وقطاع الطرق ومأوى المجذوبين ومرتع المجانين والنشالين والأدباء والسواق والعاطلين، صارت منطقة خضراء هي الأخرى، في ذكرى النصب الذي بقي وحيدا بلا جيش!

أكتوبر
الجنة العراقية


هذه صورة واحدة من مئات التقطت من الجو للعراق تمثل بقعة خضراء من ضواحي بغداد. وإذا كانت مساحة الصورة تغطي بضعة كيلومترات، فما حال المئات من الربيع المتوفر أصلا في حدود بغداد وحدها! أين يذهب هذا الغنى الطبيعي من أشجار ومياه؟ وكيف لا يستطيع المواطن العادي لمس ثماره؟ هل يعقل أن يكون هذا جسد العراق ويستورد كل شيء حتى الحنطة والشعير والرز وغيرها من محاصيل كان يصدرها للعالم؟ وهل يقبل أن تكون فيه كل هذه المياه وتجف سواقيه ومزارعه وصنابيره، ويحفر الناس حتى في قلب بغداد الآبار في بيوتهم في القرن الواحد والعشرين؟ تستطيل صفحة المياه وتتفرع مجاري الأنهر على جسد بلاد كتب عليها الجفاف والجوع والتسول وهي في أشد حالتها غنى!

نوفمبر
أجراس الحرية


تشد أزر البلاد - الكنائس - حين تقرع أجراس الحرية. فهل يمكن تصور العراق بلا مسيحيين؟ غادروها وهاجروا ورحلوا برضاهم أو مرغمين، لكن أجراسهم لا تزال تقرع في فضاء البلاد مزينة نسيجها الواهن متحدية القنوط في التسمية المتعالية لسكان البلاد الأصليين: الأقلية!لا عراق بدونهم وستتلوث صفحته في كل نبأ يسجل التنكيل بأي منهم وستبرد الرصاصات الموجهة إليهم، وستكون النار سلاما عليهم فهم العرق الصحيح في العراق والممسك به وبعتمته وبتشابكه وفي لمعانه كانوا شعلة وفي صمته كانوا القداس وفي جوعه كانوا الحزام الواقي للبطون. يترنموا بأجراسهم وليمنحوا الصبر على البلاء تلو المحن التي كابدوها من أجل ألا يهتز لهم جفن حين يسألون عن جنسيتهم بكل فخر وحماس حتى ينطقوها: عراقي!

ديسمبر
الماضي الجميل


هذه الصورة الوحيدة ليست لنا من حزمة المعايدات، لأننا لم نكن على قيد الحياة وقت التقاطها. هذه الفتاة اسمها رينيه وهي ملكة جمال بغداد عام 1947! (بعثها لنا صديق مهتم بالجمال والتاريخ). تأملوا معنا جميلة بغداد رينيه .. فقط انظروا إليها ولبسمتها .. وعندها ستسألون كما سألنا: قبل ستــــين سنة كانوا في العراق ينظمون مسابقات لملكات الجمال وبعد ستين سنة من تتــــويج ريــــنيه يذبحون الفتيات في الشوارع ويدكون ببنادقهم سيقانهن ويجــــلدون أذرعهن ويطلون شعرهن بالأصباغ والزفت الذي زفـّـت أيامنا بهم. باسمكم نبعث لرينيه أينما تكون الآن وفي أي بقعة من أرض الله الواسعة أسمى التحيات بمناسبة انتهاء عام قاس في بلادها ولمن خاط لها هذا الفستان، ولمن التقط لها هذه الصورة، ومن زوقها ومن جَمّلها لتعطينا هذا الدرس بالجمال وللواتي اشتركن معها في مسابقة ملكة جمال بغداد في عام 1947 لنقل لهن بأنهن الفائزات علينا وعلى زماننا الرجيم، وحتما لو تصل تهنئتنا إلى رينيه فستبعث لكل منكم دعاءها وتهنئتها بالعام الجديد، عسى أن يعقل هذه المرة ولا يصدر لنا آلاما جديدة.

ليكن عيدك دائما وأيامك بهجة تحمل أخرى


كابول - د.جمال حسين علي


ربما هذه الأرض وناسها أكثر بقعة في الكون وأكثر المخلوقات بحاجة الى عيد. يرفق بهم حتى لو يتسلل بلا شوق الطفولة المؤقتة ، متهاديا كطيور الماء ، لا يبلغ الكمال ، ناقصا ، ملوثا بالبارود ، إلا أنه يفلت الدهشة بعناق الأضداد ويكشف عن الغياب الذي لا تفصح عنه كلمات.
وهي ليست مصادفة أن يبدأ العيد في أفغانستان في اللحظات التي تنتهي فيها الحرب المعلنة ويرفع النقاب عن المحظور ويطلق العنان للنباتات بالمشي دون سياج.
الجروح ما زالت غير مندملة ، فبيوت كثيرة اختفت عن الوجود ، والمقصود ليس أبوابها وجدرانها ، بل ناسها. ازداد عدد اليتامى والأرامل ، ناهيك عن الآلاف الهائمين على وجه العالم المظلم يلقي بهم الجبل الى الوادي والوادي الى الجبل في دورة وحشية لا تكاد تنتهي أو ينتهوا.
هذه محاولة للتظاهر بمرح العيد وأزهاره الذاوية وسط لفيف الصابرين.
هو ذات العيد في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. فالرجال شديدو الاعتدال سيرتدون حلل الأحجار الكريمة ويتبادلون التهاني بعد صلاة العيد.
وقبل صلاة العيد هناك شيء طريف وهو " عرفات " وهذه التسمية يطلقونها على اليوم الذي يسبق العيد حتى لو كان عيد الفطر. ورؤية القمر يمنحونها للوجهاء ، فهؤلاء هم الذين يتسلقون المرتفعات لرؤية إطلالة الهلال حتى لو كانت درجة النظر لا تسعفهم. فيوجد الكثير من الشباب يمكنهم حسم الأمر بعيون صقر ، لكن الشيوخ يصرون على امتلاك هذا الحق حتى من كان منهم لا يسعفه البصر.
وفي يوم " عرفات " تخرج السجادات الى الشوارع وينفض عنها غبار ينبلج عنها بصقلها بعصي غليظة. وتنزع الملابس الرثة ويداري الجميع أجسادهم ببياض خلاب محشو بزخارف تدربت عليها الأصابع سنين وسنين.
ويتمركز الحلاقون في كل زقاق تصاحبهم أناشيد أطفال تتشابك أصواتهم بين الحين والآخر مع أغان أطفال الزقاق المجاور.
وتلقي النسوة الماء الممزوج بالحناء على الجدران وتلف رؤوسهن الملفوفة أصلا بعدة أستار وحواجب بالأشرطة لكي لا تسمح للحناء بالانزلاق على الجبهة أو الخدين اللتان لم تريا الشمس منذ الفتنة الأولى. يختلط ماء الحناء مع أوراق الكروم والورود التي عصرت حد التفتت لرش عصيرها على الزوار وضيوف الرجال.
يكسو الأبواب البياض غير المتبدد حتى آخر نقطة تزدحم فيها البيوت مع تجمع للرجال الصغار الذين يستطيعون في العيد التجرؤ بإلقاء التحية على فتيات الحي المجاور ، غير مبالين بالجواب ، فهذا معيار آخر للشجاعة وحاجز تجاوز به الصغير بعض العمر.
وثمة في السوق إعلان واحد متفق عليه ، أن لا تفوتوا هذه البضاعة فلا عيد بدونها. تتناثر أكياس الفستق الإيراني والحلويات المحلية فهنا الأطفال لم يروا الشكولاته بأم أعينهم ولم يلمسوا ألعابا ولا حديث عن العرائس.
جلب الروس معهم كرتان لقرة القدم هدية من الشعب الروسي لأطفال كابول ، أفضل من غيرهم و كرتان أفضل من لا شيء ، لو تسعف الأصابع على العد يرجح أن يكون 800 طفل يضربون الكرة المسكينة في آن واحد.
في وقتهم استغل الطلاب ملعب كابول الدولي لكرة القدم لعرض أزيائهم والإعدام الجماهيري الذي لم يكتبه أحد في قانون أرضي أو سماوي. وسمحوا بضرب الكرة بالقدم شرط أن يرتدي اللاعبون الزي التقليدي. يمكن تصور منتخب البلاد يلعب كرة القدم بالزي الأفغاني ويكفي !
لا يريد أحد تقمص ما فات ، حتى الأعياد الماضية لا يرجو أحد تذكرها وتقليب تلك الصورة.
والعيد للمنتصرين محطة خلاف أيضا. فبحلول اليوم الأول للعيد الذي يصادف الأحد تكون نصف الحكومة صائمة ، لأنهم بدءوا " العدة " مع طهران كباقي الطاجيك والخزر والأوزبيك. حتى تسميتهم لرمضان إيرانية مع الاحتفاظ بكافة التقاليد الفارسية للأعياد.
لم يتفق المنتصرون بعد على من سيحتل الصف الأول في جامع كابول المركزي لتأدية صلاة العيد. من سيكون في المركز ومن سيحتل الصف الثاني. وهل ستكون الصلاة شيعية أم سنية ، كل هذه الأمور تركت للعيد فهو كفيل بحل هذه الشروط والعقد.
ويستغل الأفغان العيد كشواهد تاريخية لمحطات الصغار والكبار. حيث تكثر فيه حفلات الأعراس والطهور والخطبة وتصالح العشائر المتناحرة بسبب أو بدونه. وفي مركز كابول استعدوا للعيد منذ منتصف رمضان كمظهر للفرح والدعاية للمحال والمقاهي والمطاعم وغيرها. وارتفعت الأسعار كما جرت العادة حتى عند الباعة المتجولين.
وازدهرت مهنة كتاب الرسائل للأحباب الذين هجروا البلاد هربا وتركوا الخلان عجائز أو صغار يسترقون النظر في الورقة التي يكتبها رجل مهيب يحتضن بقايا لوح خشبي مسروق من مدرسة أو دائرة حكومية مهجورة ليعيد الرسالة نفسها آلاف المرات. والملفت للنظر أن كل سكان كابول يعطون عنوان واحد تقريبا لمن يريد الجواب على رسائلهم : كابول ، محل ... قرب الجامع. لم تكن هناك ضرورة للإلحاح لمعرفة هذا اللغز ، فوزارة المواصلات موجودة والبريد موجود والهواتف تعمل ، لكن الرسائل الخارجة أكثر بكثير من الرسائل الداخلة!
تنمو مظاهر الفرح في المدن الأفغانية لأنها لا تستطيع تمزيق البهجة الى الأبد. وهذا أهم عيد يحل على الأفغان كونه فرصة لغسل الأحزان وطلاء الجدران بالحناء وليس بالدماء. هو أول الأعياد العادلة التي ينبغي عليه تحديد الألوان وتجنيب البشر لطمات الرمال ووخز الأيام وعتمتها الداكنة.
سأغادرك لبعض الأيام .. وداعا أفغانستان مالئة الخطى والكلمات الدوارة والتقويم الحبيس والضراوة المرتعدة..
لتكن أيامك كلها أعياد كانبثاق الربيع الأول ولتتراخ أصابع أبناءك الغليظة قانعة بحلاوة البهجة وليتلقفك الحب محذوفة الراء البغيضة ، فجرا ورديا على أوراقك.

جولة لوداع كابول








كابول - د. جمال حسين علي

الشيء الوحيد الذي يربط بين مواضيع هذه الخاتمة هو عدم ارتباطها بعضها بالبعض الآخر. وربما تتقاسم أطرافها أوجه الحياة الأفغانية. هي محاولة لتسطير كولاج لانسيابية العدسة ، محظورة وغير متفق عليها ولم تخضع لخطة أو نوايا. لقطات لم تشترك في العوم ، بل كانت كالسمك الطافي في بحيرة ممتلئة بالأسماك أو طيور فزعة غادرت مجزرة.
لم يعقد لها العزم ، جاءت هكذا بالصدفة خلال رحلة البحث. ليس لها أي غرض ، لكن من الصعب إزاحتها عن البال. والطريقة الوحيدة للتحرر منها كتابتها كآخر صفحة في الذاكرة. فهي حزم شموع خلفت ورائها روائح مثابرة. فالإصرار على الانتظار ينكب القلب ذاكرة عرضية يعجل من خريفه ، فأينما نزوغ منها تعرض فتنتها وإغرائها : فلتكن نتائج تشخيص صحافي حصل بالصدفة.
الغوص في الحلم
لأنها تحلق فوق القباب والقمم ، فلابد أن تكون المنطلق : حمامات كابول وبياضها المزيّن.
أي جمال تضفي على مركز المدينة وعيونها عندما تبرق مع أصداف النهار وتأجج الشمس في تشابك أجنحتها ومرح مناقيرها. استثناء فاتن يعرّش أصل الصورة ويبيح لها التفرد.
وكل من يريد أن يتكشف حال أعماقه ، يكفيه الجلوس في جوف النهار ، ململما أطرافه ، سارحا بلا طائل مع ألوانها وفرفشتها المستقلة ليسد المزيد من النواقص المنفلتة لديه.
يستندون بلا حراك على الجدران ، بلا رمز أو إشارة ؛ رؤوسهم معلقة مع حركة الأطيار ، ليملئوا أرواحهم بالأحلام الراسخة.
النظرة الجامحة
طفلة من كابول ، كأنها نزلت توا من الغيم بأشرعة خرافية وتآلفت مع الأرض. تتهادى أقدامها على الشارع كما لو كانت في بيتها. ما أن رأت العدسة حتى لا مستها وتصادقتا. لم تبطل النظر فيها ، بل أزهرت ظمأها : عنقود من السماحة والبراءة والصفاء ، أماني طازجة لأول إشراقة ، شحرورة متكاملة فيها فيض اللبلاب. تكسوها كل الخرق المتاحة تتآلف فوق رأسها حزمة خبز ملفوفة بقماش واهن.
تسير مع حركتنا ولا تبطل النظر بالعدسة ، هي التي فرضت الصورة وألفتها …
آه ،، تعثرت .. وظل الطريق !
صلاة في الشارع العام
المتكئون على عتبات الدكاكين اكثر من الزبائن. وتكاد المحلات أن تتحول الى مقاه محلية. فكل الخلان يجتمعون في المساحة التي تحيطه. تنتصب أباريق الشاي وتطول الجلسة حتى نهاية اليوم. كلهم يوجهون لك الدعوة للجلوس معهم واحتساء بعض من الشاي أو تناول ما تيسر من قطع الفواكه الصفراء.
جلسات معتادة تكثر ما أن تبتعد عن المركز الخانق بالحشد. كأنهم يعيدون الوجود لبركة المدينة ولا يمكن أن يسمع لهم صوت. هم مراقبو العالم وحركته وأضوائه وجديده وعيونهم نوافذ ترصد جميع ممراته.
وما أن يحل موعد الصلاة ، ينهضون بلا اتفاق لتأديتها. ويبدو أنهم مهيئين لذلك فكل شخص يجلس أساسا على سجادته. لوحتهم مهيبة ما أن تتشكل وقفة صلاة الجماعة ولهم فقط الفضل في تأليف الصورة.
هندسة الشواهد
للمقابر رائحة السأم والفراق والزرقة المؤلمة. نشيجها يكوي الروح ويدوي في الأعماق. وخاصة في مقابرنا ، تلمس أنانية الأحياء و لامبالاتهم المفزعة. لا نعرف السبب الذي يجعلنا لا نحترم موتانا أو نكون متطرفين في تقديسهم. لا يوجد لدينا منظر وسط ؛ أما نحول مقابرنا الى مزابل عمومية أو نشيد مراقد من الذهب والألماس !
وفي كابول تنتشر المقابر في أكثر الأحياء فقرا وأكبرها يمتد لمساحة شاسعة في مكان واضح من أسمه " حي المقابر ". وسكان هذا الحي لم يجدوا غير المقابر لإلقاء كل ما لديهم من قذارة هناك.
وحتى في القبر يحرص الأفغان على عدم الاختلاط بين الرجال والنساء. ولهم شفرتهم السرية التي يميزون فيها قبر الرجل عن المرأة. وهذه الشفرة مستقاة من هندسة أقليدس على الأرجح وتحتاج الى وسائل تعليمية للتوضيح قد تحل الأمر الصورة أفضل من الشرح : الشاهدة تأخذ شكل متوازي المستطيلات وطريقة تثبيتها على القبر تشير الى جنس المدفون ؛ إذا ثبتت الشاهدة واتجاه متوازي المستطيلات إلى القبلة تكون لرجل ، أما للمرأة فتدار الشاهدة 90 درجة باتجاه القبلة بحيث تظهر وكأنها مثبتة بشكل متواز معها.
وبعيدا عن تعقيد الهندسة والمعمار هذا ، لا يكتب الأفغان أسماء النساء على الشواهد كما يفعلون للرجال. يتركون أي أثر أو رمز تفهمه العائلة لوحدها لتمييز القبر ، أما الرجال فتكتب أسمائهم وحتى سيرهم الذاتية.
مدرسة الرؤساء
أكبر مدارس أفغانستان على الإطلاق. بنايتها ولا حتى جامعة كابول. ضخمة وعريضة ومعمارها معاصر ولا يوحي بأنها لمدرسة ثانوية. مصيبتها أن اثنين من رؤساء البلاد المغضوب عليهم تلقوا تعليمهم فيها. وثانيا أنها وقعت في الأحياء التي دارت فيها المعارك بين قوات مسعود من جهة وقوات حكمتيار وحزب الوحدات من جهة أخرى. وكالمعتاد أبلى الطرفان البلاء الخرب فيها. وتجوال سريع فيها يترك الانطباع بأن عملية ترميمها بسيطة ولا تحتاج الى جهد ومال كبيرين. ومع ذلك أهملت وتركت ولا يريد أحد التحدث عن هذه " المدرسة المشبوهة " ، مع أنها تصلح جدا ولو لإيواء عدد كبير من اللاجئين.
المشنقة والنافورة
وطالما الحديث يدور عن الماضي " البغيض " ، فأن صورة الرئيس المغدور نجيب الله معلقا مع أخيه وسط فرحة مقاتلي طالبان الرخيصة في ساحة جاري آريانا لم يطوها النسيان بعد ومن الصعب العثور على أحد في كابول نسي الساحة والمشنقة.
وبالرغم من محاولة طالبان إنهاء الملف ببناء نافورة في المكان مع علمهم عدم وجود ماء كاف لتشغيلها ، لأنها لم تشتغل منذ بنائها حتى الآن ، إلا أن كل الناس لا يتحدثون عن النافورة ، قدر إشارتهم الى الحادث المروع : هنا علّق الدكتور نجيب !
ويزداد الغبن أكثر في صعوبة زيارة الساحة واسترجاع ما حصل ، لأن القوات الدولية تمركزت في فندق آريانا المطل على الساحة. لذلك لا يسمحون هناك لا بالتصوير ولا التوقف ولا التنفس. أي أن الأمل في اندلاع ماء في النافورة تأجل الى احتفالية شنق قادمة.
الأصدقاء الثلاثة
تعمل الحيوانات بمثابرة في أفغانستان. ولا يمكن أن تجد حيوانا خالي شغل على عكس الملايين العاطلين من البشر. لذلك لهم هيبة فهم يعيلون البلاد. وبناء عليه فلا يجرؤ أي شرطي مرور على تسجيل مخالفة عليهم ، علاوة على ذلك فهم كائنات مسالمة وليسو أعضاء في تنظيمات شريرة ، ولا يحتاجون الى وثائق يعرضونها على القوات الدولية لييسروا سلوكهم في الطرق.
واستغلالا للعوامل المذكورة ، تجدهم في حلّ في أي مكان وترحال الى أي مكان : جِمال تسير بتمخطر وتؤدة في شارع مكتظ بالسيارات وحسب مزاجها وتبصق على العابرين ، حمير ناحرات وسط الطريق العام يتلهين بزعيق المركبات وصرخات السواق، ثيران وأبقار يترنحون بدعاماتهم الضخمة وعيونهم الصافية ممرغين حرمة الشارع في الوحل.
جِمال وحمير وثيران ؛ أصدقاء لا يصطدمون بأكتاف الناس ولا يثيرون مضاجع أحد ولا يتبادلون الأسى ولا يشكون ؛ يعملون ويكدون بهدوء ودون انتظار عرفان وأكاليل.
أفغاني على قارعة الطريق
الأموال في أفغانستان كثيرة جدا ، ولكن في الشوارع وليست في جيوب الناس. والحكومة المؤقتة طبعت من الأوراق النقدية ما لم تطبعه كل الحكومات غير المؤقتة. وبينما يقولون بأنهم لم يطبعوا أي مبلغ ، تظهر أطنان الأفغاني في الشارع جديدة تحمل حتى رائحة المطبعة ولم تمسها يد ومغلفة بإرادة حديدية.
ليس بالمستطاع الجزم بأن هذا القدر الكبير من الأموال يصل الى الشارع وبيد الشبان الطاجيك وداخل سراويلهم بالصدفة. فالعملية منظمة ولها أصحاب ورؤوس. توجد إذن ، قنوات كاملة تنظم حركة الأوراق النقدية المحلية وتداول العملة الصعبة في البلاد.
غير أنها بدائية للغاية ، ولم يكلف القائمون عليها تدبير ولو أكشاك للتصريف بدلا من الكارتونات في أفضل الأحوال التي يضعونها أمامهم جالسين على علب الصفيح ليشكلوا أندر البورصات في العالم.
زراعة الألغام
لم يزرع المتوالون على السلطة في أفغانستان النباتات والأشجار والخضار كما زرعوا الألغام. ولا أحد يمكنه التثبت في عددها ، بل لا يرغب القائمون على الوضع معالجة هذه القضية الخطيرة ، ويكفي أن الخسائر في القوات الدولية بسبب الألغام أكثر منها بسبب الحرب بذاتها.
معظم المعوقين وخاصة من الأطفال جراء غدارات الأرض. تظهر في مناطق لا تخطر ببال ولا حدس. ورؤية قطع باهتة تحمل العبارة الموجزة " خطر مين " ( خطر ألغام ) توجز الخوف. ولكن مثل هذه التحذيرات تنتصب في المواقع المكتشفة وليس في بواطن الأرض غير المنقب فيها عن الألغام بعد. وفي المناطق التي دارت فيها المعارك المعروفة. وماذا عن تلك التي زرعت فيها تشكيلات مسلحة طارئة حقل من الألغام حول مواقعها الطارئة أيضا ؟ ماذا عن شبكات الألغام التي زرعها الأموات أو الذين غادروا المعمعة وأفغانستان ولا يعرف سبيلهم أحد ؟ ماذا عن حقول الألغام المزروعة بشكل ارتجالي و بلا خرائط ؟
فوضى الألغام تعقد مهام أي مثابر لوضع حد لمأساتها ، مهمة مهولة لإزالة ألغام يفوق عددها أوراق الشجر.
الحاوية العنوان
لم يتفق على منشئها وتاريخ وصولها الى تقاطع سراي ميكرويان. وظلت كباقي الحاويات المنتشرات في البلاد : دكاكين وأسواق ومهاجع ونقاط تفتيش وسجون وحمّامات وأي شيء لا يخطر على البال.
غير أنها تحولت بعد مصرعها الى واحدة من النقاط الدالة في كابول ، طالما يأبى الجميع رفعها عن الطريق العام.
تحملت هذه الحاوية ما لم تتحمله جبال تورا بورا من قصف وألم ، حتى تحولت الى أكبر منخل حديدي في العالم ويمكن أن تدخل موسوعة جينيز للأرقام القياسية وفقا لعدد الثقوب فيها.
ولهذا السبب اشتهرت وعرفها كل الداخلين والخارجين. ولأن حفظ العناوين والأسماء الأفغانية صعب لمن لم يسجلها ويحفظها عن ظهر قلب ، فأن أفضل طريقة للاهتداء للمكان المزعوم قولك للسائق : عند الحاوية .. على يمين الحاوية ،، بعد الحاوية بكذا متر .. وهكذا.
ولا يستغرب أن تأتي رسالة من الخارج ليضع مرسلها عنوانه : كابول - قرب الحاوية !
اللحظة التاريخية
الاعتماد الصحافي الذي تمنحه وزارة الخارجية الأفغانية الواقعة في حي ديفانون النظيف ، فيه بعض التحديث. فهو ورقة وليس بطاقة كما جرت الأعراف وكل محتوياتها تكتب باليد ولا تطبع. وهذه أشياء مفهومة ومعقولة. ولكن أن يكتب على ورقة اعتمادك اسم المترجم وعنوانه واسم السائق ورقم إجازته ففيه بعض الإبداع.
ويكون إبداعا حقيقيا لو علم أن اعتمادك الصحافي يكون بحوزة المترجم ولا يحق لك الاحتفاظ به.
ولا يمكن نسيان الموقف الذي شهدناه والذي يرتبط ببطاقة الاعتماد أيضا. فمرة في " مديريت تدقيق واطلاعات " ( لا خطأ إملائيا هنا ) وهي ما يشبه المركز الصحافي لـ " وزارة خارجا " ( وزارة الخارجية ) قبل تأسيسه فيما بعد من نفس الكادر والمبنى ، وفي زحمة الصحافيين وتناثر جوازات السفر فوق المناضد البائدة يقف مدير
" المديريت " ماسكا واحدة من بطاقات الاعتماد في زمن طالبان ليوضح لصاحب مطبعة كيفية عمل نموذج جديد للبطاقة ويشرح له التغييرات بقلم جاف فوق بطاقات طالبان مباشرة بعد أن انتزع صورة صحافي وكان الحوار حيا : بدلا من أفغانستان إسلامي إمارت تكتب كذا ، تغير هذا الشعار ، البشتونية حولها الى فارسية وإنكليزية ، تكبير مكان الـ " عكس " ( الصورة ) قليلا. وهكذا استمر الحوار لطبع بطاقة اعتماد جديدة للدولة أمام جمهرة المراجعين أصحاب البطاقات المستقبليين.
كان المدير يصر على جلوسنا في غرفة الاستقبال وعدم احتشادنا في غرفته وهذا حقه وزيادة. ولكنه في الوقت نفسه يلبي طلبات من يجلس فوق رأسه فقط ، علاوة على ذلك لا يوجد ما يمكن أن يجلس عليه المرء في غرفة الاستقبال. فيها طاولة وإبريق وأريكة مكسورة. ويتذكر العاملون في المديرية هذه الغرفة عندما يحتاجون الإبريق فقط.
ولا يمكن إغفال ملاحظة لا علاقة لها بالموضوع ولا تخص الخارجية لوحدها وهي طريقة التفتيش وخاصة الكاميرات. ومن الواضح أن عملية اغتيال أحمد شاه مسعود بواسطة كاميرا تلفزيونية خلفت هذه الظاهرة وهي إجبارك على التصوير وأخذ لقطات لحائط أو صديق لكي يسمحوا بدخولك هذا المكان أو ذاك. ويبدو أنهم تعلموا هذه الحيطة من الأمريكان.
السفارة المدينة
اختار السوفيت أبعد المناطق في كابول وأكثرها هدوءا ليبنوا عليها مجمع سفارتهم أبان وجودهم في أفغانستان. وأخذوا في الاعتبار التوسيع الأفقي وليس العمودي في تصميمها ، حتى لا يجمعوا كل العاملين في بناية أو عمارة واحدة من عدة طوابق حيث يمكن إبادتهم بعبوة واحدة. لذلك تنتشر كبنايات ذات طابقين كحد أعلى لتتربع على مساحة واسعة من الأرض. وتفصل هذه البنايات الشوارع وكل شيء فيها عدا إشارات المرور. وأحاطوا هذه البنايات بجدران عالية من الأسلاك الشائكة والتي أزالها الناس فيما بعد.
بقت هذه البنايات مهجورة بعد رحيل السوفيت وغموض العلاقة الدبلوماسية بين الكرملين وحكومات المجاهدين ، الى أن جاءت طالبان لتمنحها الى سكان ستاليف من البشتون الذين أحرقت مساكنهم ودمرت حقول الكروم التي تحدثنا عنها في وقت سابق.
وتبين أن مجمع السفارة السوفيتية من الكبر بحيث اتسع لإيواء أكثر من 40 شخص مع حيواناتهم المختلفة.
حاول الروس بعد عودة حلفائهم الطاجيك الى السلطة الرجوع الى مبنى سفارتهم ولكن البشتون الغاضبون هددوا بالعصيان ، فطالبان هجّرتهم من دورهم ويريد الطاجيك تهجيرهم من مهجرهم ، فأين يمكن أن يذهب كل هؤلاء البشر ؟ قال السفير الروسي في كابول بأنه ألغى النظر بالموضوع برمته ( استرجاع السفارة ) بعد أن قال له عجوز بشتوني من سكان السفارة بأنه من غير المعقول أن روسيا التي وهبها الله ثلث يابسة الكرة الأرضية لا تستطيع العثور على قطعة أرض لسفارتها وتشرد آلاف الناس.
الفندق الحلم
دخل فندق انتركنتننتال كابول الواقع على جبل باغي يولا التاريخ من أوسع أبوابه. فقطن فيه أعضاء الحكومة المؤقتة وكل الصحافيين الأجانب تقريبا. وهذا المقطع ليس للكتابة عنه ، فقد عملها غيرنا وخاصة للذين لم يغادرونه لأسبوع أو أكثر أو للذين لم يروا غيره في أفغانستان ، بل لاستذكار موقف تعرضنا له في حصار جبال سالانغ بحيث تحولت رؤية الفندق الى حلم حقيقي. ووصل الأمر الى مقارنة الجحيم الذي رأيناه بجنة الفندق. وكأنه تحول الى مقياس للهدوء وراحة البال. وخاصة الليالي التي بتنا فيها في سيارة على قمة جبل وحسابنا جار في غرفتنا الخالية في الفندق.
عجلات الريح
الدراجات الهوائية توقظ المدينة منذ الصباح الباكر. تمضي الآلاف منها غير عابئة بالمسافات والرياح والحفر. وتعتبر أكثر وسائل النقل شعبية وفائدة ورخصا. حاول الأفغان بناء مصنع دراجات بالتعاون مع الصين ، الا أن هذا المشروع لم ينفذ بعد. وما زالت أغلب الدراجات تصل الى أفغانستان من الصين عبر باكستان.
وفي مدخل كل وزارة أو مؤسسة حكومية هناك موقف خاص للدراجات تنتظم فيه بتوافق هندسي عال.
ولأنها وسيلة النقل الأساسية في البلاد ، فلا حرج من اصطحاب امرأة منقبة على متنها. ويبدو أن النساء تعودن الحفاظ على توازنهن أثناء السير ، بل أن أقدامهن أحيانا تتمايل بغنج ، أو يضعن رجلا على رجل وغيرها من الحركات.
جولة الوداع
مغادرة كابول أو أفغانستان عموما لا تعتمد على أي شخص مهما كانت منزلته ، لأن الأمر يرتبط بوجود طائرة أم عدمه. وهذا الموعد يمكن معرفته قبل أيام ولا يأت بالصدفة دائما. لهذا العامل كنا نعلم باليوم الذي سنغادر فيه العاصمة وكان اليوم الأخير مشحونا جدا بالعمل وختام مسك حقيقيا بعد إنجازنا ثلاثة موضوعات من خطة العمل لم يكن تأجيلهما يعتمد علينا بطبيعة الحال.
ولم يكن يوما ناجحا وعمليا فحسب ، بل فرغنا فيه والشمس فيها ضوء لساعتين أخريين . وكانت فرصة للاستراحة. وحتى هذه اخترنا أن تكون في خدمة العمل وهي جولة حرة لوداع كابول. جولة نحاول فيها رؤية المدينة بلا خضوع لخطط مسبقة ولا مواعيد ولا مزاج المهنة ؛ محاولة للاسترخاء والتمعن بالأشياء المعروفة ، فليس كل الأشياء التي يراها المرء يعرفها أو يقرأ ما فيها.
قلنا للسائق سر على أقل من مهلك ولم يكن بحاجة للتدخل في إدارة دفته فقد درس الطباع والاهتمامات مبكرا.
استعدنا ضحكات سابقة عندما مررنا بمنطقة بولباغ عمومي عندما رأينا أول مرة لوحة " دكان صنايع وزارات " وتساءلنا : هل يصنعون الوزارات والوزراء في هذا الدكان ؟ وتبين أن المقصود " مقر وزارة الصناعة " ! وتملكتنا الدهشة نفسها في كوزكا ديمازنك عندما قرأنا أمام بناية كبيرة " دكان مخابرات " وأدهشتنا جرأة المخابرات الأفغانية التي وصلت الى هذا المستوى من الصراحة بحيث تخبر المواطنين مباشرة وتوضح لهم دكاكين المخابرات. وتوضح أن المقصود " وزارة الاتصالات " !
تذكرنا صناديق الشكاوي الموجودة في كل وزارة ومؤسسة ولا تعلم من يشتكي على من فيها. مقبرة الباصات السكراب التي يفوق عددها كثيرا على العاملات في المدينة.
لا يزال الناس بنفس أرديتهم وهرمهم بينما خطانا ليس تلك الخطى التي كنا عليها بالأمس. فلحظات الوداع ساكنة غير معبأة بالحركات النسرية. تباطأت العربة نحو وزارة معارف دي أفغانون وكوده سانغي وقواي مركز : هذا المكان الذي يقابل فيه البنك المركزي فندق كابول الجريح. كل يوم يكتظ بنصف الحكومة وأقربائها ، السابقات واللاحقات ، ونصف أجنحته سفارات مؤقتة. ومع ذلك لم يفكر أحد بإزالة أنقاض القصف الذي طيّر واجهته !
خفق الفؤاد بارتجاف ما أن حل في كارتا مأمورين ، هنا جلسنا في مطعم ماركو بولو وعند كارتا باروان ودانه باخ. انحنى الظهر في جهارا سادرات وسراي فروج آغا، حيث تلتصق البيوت بالجبال كأثدائها الممتلئة باليقظة والوحشة والقناعة.
كأن هذه الأحياء نراها لأول مرة وكتابا جديدا نسير وراء كلماته وكم هي اللحظات قصيرة التي تطل على ميدان هواي وباري أب وبولو محمد خان وجاري ميكرويان.
استذكارنا لشجرة أسماء كابول عزاء للاستراحة المؤجلة
إيماءات أخيرة للمدينة الخربة تغري بالرجوع
لم الحتم في غدو الرياح وما عداها ؟
كل الظلال الواهنة هنا تأمل في سير الأشياء والخطوط والألوان وابتداع الأمل والتنقيب عن الفرح الفياض.
ولكن بعد أيّ …
بعد " خرابست " أفغانستان ؟!

مكتبة الفاتيكان الأكثر سرية وصرامة في العالم






الفاتيكان - د.جمال حسين علي

أسس مكتبة الفاتيكان البابا نيكولاس في العام الميلادي 1451 تحت المسمى Biblioteca Apostolica Vaticana وأعطاها منزلتها القانونية الخاصة جدا وبدأت بمكتبته الشخصية التي كانت تحتوي على 1160 كتابا منها 400 باليونانية، وعين بارتولوميو بلاتينا أول مدير لها.وبحلول عصر النهضة في العام الميلادي 1481 نمت المكتبة وأصبحت تضم 3500 كتاب، وفي فترة الاصلاح البروتستانتي عام 1517 عانت المكتبة بظهور أول دليل للكتب الممنوعة وكثرة التقييدات المفروضة على الراغبين في الوصول إلى الكتب، ومن ذلك التاريخ أصبحت السرية والمنع الصفة الاكثر تميزا في طباع هذه المكتبة. ولابد من الاشارة الى ان أغلب الكتب الغنية والفائقة الاهمية التي ضمت إلى قسم البلاط في المكتبة كانت غنائم حرب، واكتسبت هذه المكتبة الكثير من المخطوطات من البلدان والامبراطوريات التي كانت جيوش أتباع الكنيسة تحتلها الواحدة تلو الاخرى.تضمنت المكتبة في البداية كتب التوراة وعلم اللاهوت والقانون الكنسي وأعمال الكلاسيكيين اليونانيين واللاتينيين في التاريخ والفلسفة، وفنون القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ونصوص الباباوات ومستشاريهم وخدمهم، وفرضوا على كل رحالة وأديب وفيلسوف يمر بروما ترك مخطوطاته فيها، وتواصلت المخطوطات المدهشة لصورة روما في القرن الرابع عشر ورسائل هنري الثامن الغرامية إلى آن بولين التي سبقت زواجهما، وكتابات غاليلو ومهارته الاستثنائية وإبداعات أرسطو وإلياذة هوميروس ويوهانز روسوس وبارتولوميو فيتو، ورسائل محاربي طروادة وتصميمات جيوفاني لورينزو لميدان دي سان بيترو، وأعمال سيد الباروكيين بيرنيني ومخطوطة الشاعر الايطالي الكبير بيتراش التي احتوت قصيدته الريفية اللاتينية، وقواعد ألدو مانيزو الاكاديمية وأعمال روجر بيكون ومخطوطات الفيلسوف بيكو ديلا ميرندولا وسيرة حياة أباطرة الرومان وعلماء عصر النهضة وكوميديا بلاوتوس في اللاتينية ومخطوطة 'يوم القيامة' لغيسي جورجيو التي كتبها عام 1530 التي عدت أول كوميديا دينية في تاريخ الآداب شجعت على بداية الاصلاح الكاثوليكي والتغيير والبحث عن الجديد في منتصف القرن السادس عشر، ومخطوطات لازاريللي لودفيكو في اللاتينية الذي يعد واحدا من أهم مثقفي القرن الخامس عشر الذين سحروا عصرهم بالحكمة المنمقة بالاساطير اليونانية والمصرية والوثنية، وأطروحة البابا بولس الثالث في الفلسفة التي جادل فيها أفلاطون وأرسطو وفلاسفة الميرمية الكلدانية القديمة ومصطلح 'الفلسفة الدائمة' الذي قدمه في النهاية، والنصوص اللاهوتية البيزنطية ومخطوطات الكثير من علماء وفلاسفة المسلمين كالرازي وابن سينا وابن رشد والغزالي وابن الهيثم والفارابي الموضوعة في القسم الرئيسي من المكتبة والكثير غيرها. تخزن كل المخطوطات على الميكروفيلم وتحفظ في مكتبة الفاتيكان السينمائية والزوار مهما كانت أهميتهم سيطلعون على أفلامها ولن يستطيع أي شخص لمسها بيده وحتى الحصول على الميكروفيلم في غاية الصعوبة، لذلك يعتبر محظوظا من يطلع على صور المخطوطات.
محتويات المكتبة
في مكتبة الفاتيكان الآن مليونا كتاب وسلسلة مطبوعة و 75 ألف مخطوطة سريانية وأثيوبية وفارسية وعبرية وعربية ويونانية ولاتينية تاريخ أقدمها يعود إلى القرن الثاني بعد الميلاد و 65 ألف مجلد و 8 آلاف معجم و 23 وحدة أرشيف و 100 ألف خريطة ورسم وحفرية 330 ألف عملة معدنية ووسام بابوي وروماني ويوناني ويدخل المكتبة كل سنة 6 آلاف مجلد. يخدمها 80 موظفا وهم موزعون على خمسة أقسام : المخطوطات، المجموعة الارشيفية، الكتب، الرسوم والعملات المعدنية. يحكمها منذ عام 1984 الاب ليونارد بويل المدرس السابق ل paleography في معهد الاسقفية والمتخرج في جامعة تورنتو الكندية بعد دراسته تاريخ القرون الوسطى.
الفاتيكان والكونغرس
المكتبات الثلاث الاهم في العالم هي مكتبة الكونغرس ومكتبة روسيا المركزية (لينين سابقا) ومكتبة الفاتيكان.ولأسباب معروفة فان التعاون قام بين مكتبتي الكونغرس والفاتيكان منذ خريف 1927 في كل المجالات وحتى في تدريب المبوبين والمفهرسين وبدأ المشروع بمنحة من مؤسسة كارنيغي المعروفة وبوشر التعاون على جميع المستويات في ربيع 1928 من قبل مجموعة المكتبيين البارعين التابعين لمكتبة الكونغرس بقيادة تشارلز مارتيل و س. أم هانسن من جامعة شيكاغو والاسقف وليام وارنر ومدير المكتبات العامة في جامعة ميتشيغان وليام راندل والنرويجي جون انستينسون الذي أصبح فيما بعد الامين العام لمكتبة الفاتيكان. وقامت هذه المجموعة الرائدة في تنظيم وتصنيف مكتبة الفاتيكان بمنظومة مكتبة الكونغرس وطريقة التعامل مع الكتب الجديدة نفسها، وأشرفوا على الترميم (استلموا بناية قديمة لا تزال حتى الآن تعاني) وأكملوا عمليات الفهرسة ونظام البطاقات لكل المحفوظات.
مهمة المكتبة
طوال القرون كان الدخول إلى مكتبة الفاتيكان حصريا على مجموعة مختارة لغاية صدور قرار عام 1983 بفتحها للقراء وقبلها كان البابا ليون الثالث عشر ( 1927-1939 ) سمح للقراء 'المؤهلين' دخولها بما يملكه هذا الوصف من غموض، وفي أكتوبر 1988 خففوا من نسبة دخول 'القراء المؤهلين' وبعد اعتراضات شديدة من قبل الاكاديميين المؤثرين فتحوا في النهاية أرشيفات الفاتيكان السرية إلى القراء حسب الادعاءات الرسمية التي نمتلك الحق شخصيا بتصديقها أو عدمه.وحسب قانون الفاتيكان فان المكتبة هي ملكية ثابتة للبابا بكل ما تحتويه من مخطوطات وكتب فريدة في علم اللاهوت والتاريخ واللغة والقانون والعلوم التطبيقية والفنون والموسيقى والعملات المعدنية والاوسمة والخرائط وكل الكنوز المعرفية المذهلة الاخرى.يفسرون سر تكتمهم وعدم إطلاع الناس على هذه المكتبة بان المهمة الاساسية لمكتبة الفاتيكان - كمؤسسة - هي حفظ ما ائتمنت عليه من كنوز ثقافية، وهذا لا يعني بالضرورة تحول مهمتها التي اختصروها بحفظ الامانة إلى البحث والدراسة ومساعدة المتخصصين.لكن مهمات المكتبات إضافة إلى الحفظ وتأمينه إلى أقصى حد من الحذر تقديم العون إلى الباحثين وأساس أخلاق المكتبات ينحصر في خلق البيئة التي تتيح للقراء دراسة المواد بشكل كاف وينبغي ان تكون فرص القراءة مجانية، وان يشعر القارئ بانه محترم، لان الذي يختار المكتبة مكانا لقضاء حياته فيه هو شخص مؤهل مبدئيا.
من أجل المكتبة
ان المكتبة، ملكا للقراء، لانهم يختارون المكتبة كما هي تختارهم وحرية الاختيار لدى الطرفين هي التي تؤدي للمعرفة الثرة والمبجلة لذلك فان الحرمان من دخول مكتبة لشخص يحلم برؤيتها وربما قطع آلاف الكيلومترات سعيا إليها يبطش بالائتمان، لان الكتب لم تؤلف وتطبع لتلتصق بالحيطان. ولان زائر المكتبة عادة مخلوق من الطراز الذي يخلق للكتب بيئة مثالية لتعيش وتستمر حتى بصمته، ولان المكتبة هي المكان الوحيد الذي يعتقد بانه يرحب به في هذا العالم، وان القواعد التي فرضت في مكتبة الفاتيكان أساسها الشك في الآخر وهي الصفة التي لا ينبغي ان تكون لدى الامين ( هكذا تطلق على الشخص الاول في المكتبات)، فالذي يشك في السائل والقارئ سيهدر أساس العلاقة منذ البداية ومراعاة القواعد في المكتبات ويفترض ان يكون القارئ مجبولا عليها ولا يحتاج إلى 'صك غفران' لدخول مكتبة هي ملك للانسانية برمتها وليست حقا حصريا لأحد مهما كانت منزلته في الدنيا أو الدين.
شروط الدخول
ان الباحث والطالب والقارئ اناس مؤهلون بغض النظر عن جنسهم ودينهم ومعتقداتهم وثقافتهم، والذي ينظر إلى شروط الدخول إلى مكتبة الفاتيكان يراوده انطباع بانه داخل إلى أكثر المؤسسات السرية في الكوكب، ونؤكد تأييدنا للحزم والانضباط الذي حددته الشروط لكون ما تحتويه المكتبة فريدا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وأي تهاون وتطاول وخرق قواعد لمس الكتاب النادر والمخطوطة الاخيرة سيحرم الاجيال القادمة منها والتاريخ، مع تحفظنا لشروط أخرى مررت بحجة الامنية. وإليكم بعض الشروط التي تنطبق على المؤهلين المسموح لهم بدخول مكتبة الفاتيكان:- العلماء المعروفون في العالم.- الاشخاص الذين يبرزون منشوراتهم العلمية الموثقة من مؤسسة أكاديمية معتمدة في الفاتيكان. - ان يكون الشخص متدربا بشكل كاف على طريقة التعامل مع المخطوطات والكتب. - الطلاب ينبغي ان يزودوا برسالة خاصة من جامعاتهم والمكتبة تحتفظ بحقها في تقدير فيما إذا يملكون القدرة على التعامل مع المواد الثمينة بالعناية المطلوبة. - على الذين يحملون الترخيص الرسمي بدخول المكتبة إشعار المكتبة قبل وصولهم. - الترخيص الشخصي لا يقرض أو يمنح لآخرين. - بعد فقدان الترخيص يجب إبلاغ المكتبة فورا. - الشخص الذي يحمل الترخيص تقع عليه المسؤولية الكاملة للاستعمال غير الملائم للكتب. - شهادة فيها عنوان طالب الدخول الى المكتبة. - كتاب ضمان من مؤسسة تأمين تضمن تعويض خسائر المكتبة لو حصلت.- فحص طبي لمن يطلبون التعامل مع المخطوطات. - الصمت الكامل لمن يدخل المكتبة ليس في غرفة المطالعة فحسب، بل في كل المباني التابعة للمكتبة. - يحظر إدخال أي جهاز إلى المكتبة.- على الداخلين ارتداء ثوب خاص بالمكتبة. - غير مسموح بحمل الهواتف النقالة.- لا يسمح بالتصوير والاستنساخ وحمل الكاميرات الرقمية والمسجلات والنواسخ الضوئية أو أي أدوات أخرى تسمح بإعادة استنساخ مواد المكتبة. - عدم استخدام المقص أو انصال الشفرات والورق والشريط اللاصق والصمغ ومصحح الحبر.- عدم حمل المفاتيح. - خلع المعاطف وترك الحقائب والمظلات والظروف البلاستيكية والاجسام الشفافة في خزانات خاصة. - من يدخل المكتبة عليه الامتثال إلى أوامر المعينين فيها بدون مناقشة.- لا يسمح بتناول الطعام أو التدخين إلا في الفناء الخارجي. - الانتظار عند منضدة الاستقبال لدى طلب وثيقة سرية. - معين المكتبة هو الذي يحدد أماكن جلوس القراء في قاعة المطالعة. - الاستعمال اللائق والصحيح لأثاث المكتبة.- يمنع حركة القراء في الممرات.- تعقيم اليد في حالة استخدام المخطوطات.- تستخدم أقلام الرصاص القابلة للمسح فقط في غرفة المطالعة.- عدم إسناد الايدي والاصابع الى المخطوطة.- تقلب صفحات المخطوطة بعناية وبطء.- يتحمل القارئ الذي يخفق في الالتزام بقواعد المكتبة كل الاجراءات القانونية والمدنية والجنائية ويوقع تعهدا بذلك.- يحول إلى القضاء من يمزق أو يتهم بالسرقة أو من يضع علامات على الكتب حتى لو كانت بقلم الرصاص وأولئك الذين يعرقلون دراسة وعمل الآخرين ومن يدخن في حدود المكتبة.- يخضع القارئ للفحص الامني والتفتيش في أي وقت.- تحتفظ المكتبة بحقها في إعلام المكتبات الاخرى بأسماء المخالفين لقواعدها.

أصغر دولة في العالم








الفاتيكان - د.جمال حسين علي

تعرف كمقر رسمي وسكن القيادة الروحية للكنيسة الكاثوليكية، لكنها غير بعيدة عما يدور في العالم من أحداث، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لعبت قيادة أصغر دولة في العالم (استقلت عام 1929 بعد معاهدة لاتريان)، دورا كبيرا فيما حصل في أوروبا الشرقية من تحولات، وبالرغم من أنها لم تمنع نشوب أي حرب شنها أتباعها في المذهب والدين، فإنها لم تقف، علنا، إلى جانب أي طرف وإن كانت إعلاناتها وتصريحاتها الرسمية تسند موقف التصالح في كل الأزمات العالمية التي يميل الفاتيكان على الدوام إلى تفضيل الحوار على التشاجر بالصواريخ.ويبرز الفاتيكان بين الحين والآخر في مسائل 'دنيوية' كالإجهاض ومنع الحمل وتحديد النسل ودور النساء في الكنيسة والموت الرحيم والشذوذ الجنسي، ويدخل في جدل يشغل الملايين في العالم كما فعل البابا الحالي حين تحرش بالإسلام وبعدها قدم نصف اعتذار. يولي الكثيرون الاهتمام بما يصدر عن هذه الدولة المحشورة على تل يطل على نهر تايبر في روما، وفيها عدة بنايات بارزة في محيطها الصغير تتضمن كنيسة سان بيتر التي أكمل بناؤها في القرن السابع عشر وكنيسة السيستاين وقصور لاتيران وغرف رافائيلو وفيلا Castel Gandolfo والصرح المقبب حيث تقع متاحف الفاتيكان المختلفة ومعارضه الفنية وما تبقى من الباباوات. والطريف أن لهذه الدولة الصغيرة للغاية عملة نقدية اسمها ليرة الفاتيكان التي تعادل الليرة الإيطالية (انضمت لليورو منذ عام 1999) وتملك رمزها الخاص بالهاتف الدولي والبابا يملك كل السلطات القانونية والقضائية، أما السلطة التنفيذية فهي بيد مجلس الكاردينالات الذين يعينهم البابا، وهؤلاء بالذات يعينون وريثه في حالة وفاته، والبابا يبقى محتفظا بالسلطة مدى حياته. وللدولة هذه وزير خارجية وسفراء وراديو يطلقون عليه 'صوت البابا' ومحطة تلفزيون وقناة فضائية وصحيفة يومية تصدر بعدة لغات تنشر المواد البابوية الرسمية، ومؤسسة بريد خاص (لمن يكتب رسالة لأحد في هذه الدولة يكتب فقط : الفاتيكان واسم المرسل إليه) ومصرف وسوق مركزي وإطفاء ومحطة توليد كهرباء ومحطتان لتعبئة البنزين (أرخص من روما لأنه بلا ضريبة) ومراقبة صارمة للإنترنت!
النظام
يعتبر نظام الفاتيكان ملكيا غير وراثي، انتخابي من مجلس يعينه البابا نفسه وذلك طبقا لمعايير الأنظمة الغربية وحتى الدستورية الديموقراطية، يعتبر البابا ملكا 'مستبدا' يحكم بقبضته السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية كلية وبشكل مطلق على الفاتيكان (حتى بعد وفاته لأن المجلس الذي عينه يمتلك الحق وحده تعيين خلفه!)، وفي الحقيقة يعتبر، من وجهة النظر الغربية حتما، الملك المستبد الوحيد في أوروبا.
أصل القضية
مفردة الفاتيكان قديمة وسبقت المسيحية ومصدرها الرئيسي عن اللاتينية:Vaticanus Ager المقصود بها تل الفاتيكان وهي الأرض التي شيدت عليها فيما بعد المباني المذكورة في المقدمة، وهذه الأرض كانت على مر العصور تابعة لروما وموقعا لعبادة الآلهة Phrygian Cybele وقرينها Attis ، لغاية ظهور الولايات البابوية وانتهاء بحرب توحيد إيطاليا التي انتهت عام 1869 واختيار روما كعاصمة للدولة الموحدة بعد هذا التاريخ بعام.ويقينا، ان حدود هذه الدولة 'خيالية'، فساحة القديس بطرس لا يمكن عزلها عن روما ولا عن طريق باولو الملتصق بها ولا طريق - della Con ciliazione حيث لا يشعر أي من المشاة بأنه في روما أو عبر عدة خطوات في دولة الفاتيكان التي ساهم في تخطيطها موسوليني في معاهدة لاتيران التي بموجبها تقع بعض ملكيات الكرسي البابوي في إيطاليا وخصوصا قلعة Castel Gandolfo والمباني الرومانية البابوية والسفارات الأجنبية ومكاتب ومؤسسات مهمة جدا بالنسبة للفاتيكان، لذلك تحرسها الشرطة التابعة للبابا وليس لإيطاليا التي تشترك مع الفاتيكان بالسيطرة على ساحة القديس بطرس التي تجري فيها الاحتفالات الرئيسية للفاتيكان.
مفارقات
ولعل عددا ليس بالقليل من زوار الفاتيكان يظن بأن ما يراه في الفاتيكان مشيدا من السلطة البابوية، والحقيقة ان الكثير من المباني في الفاتيكان بنيت قبل ظهور السلطة الدينية على يد نيرون وكاليغولا وكذلك الأنصاب والأضرحة الجنائزية والمذابح لآلهة الرومان الوثنية وبقايا المقبرة القديمة كشفت بعد عمليات الترميم التي أجراها الباباوات المختلفون وجهود علماء الآثار الإيطاليين الذين تجادلوا كثيرا واختلفوا في تحديد موقع قبر القديس بيتر الذي شيدت عليه الكنيسة الرئيسية في الفاتيكان الراهن وبعدها صارت المنطقة مأهولة بالسكان، فلم تكن مألوفة بسكن الباباوات، حيث كان البابا لغاية الخلاف الكبير عام 1929 يسكن في قصر Quirinal. (في هذا العام تم توقيع أهم معاهدة في تاريخ الفاتيكان لذلك كررنا ذكرها أكثر من مرة وهي معاهدة لاتيران التي وقعها موسليني والكاردينال بيترو غاسباري نيابة عن الملك ايمانوئيل الثالث والبابا بولس الحادي عشر وهي التي أسست استقلال دولة الفاتيكان. وربما لا يعرف الكثيرون أن معاهدة عام 1984 بين الفاتيكان وإيطاليا عدلت بعض بنود معاهدة 1929 وأهم تعديل اعتبار الكاثوليكية الدين الرسمي لإيطاليا).
حراس الفاتيكان
يحرس الفاتيكان قوة عسكرية سويسرية (من الذكور فقط) تطوعت لأداء هذه المهمة ! لأنه يحق للفاتيكان امتلاك جيش نظامي صغير وبناء على ذلك تم تأسيسه من قبل البابا جوليوس الثاني والآن يضم هذا الجيش أكثر من 100 رجل سويسري كاثوليكي يحرسون البابا والبلاط ولا وجود لقوة أخرى، لذلك فان مسائل الدفاع عن الفاتيكان من اعتداءات خارجية مسؤولية الدولة المحيطة بالفاتيكان وهي إيطاليا بطبيعة الحال.أما المؤسسة القضائية، فتتكون من ثلاث محاكم هي الرسولية والرومانا وسجن التأديب الرسولي الذي يعتبر الذراع القضائي للبابا. والنظام القضائي لهذه الدولة مستند بالمطلق على الإكليروسية أو القانون الكنسي (عندنا نسميها الشريعة) وليس القوانين العلمانية المطبقة في إيطاليا.
الدولة الغنية
للفاتيكان نشاط اقتصادي فريد ومدعوم ماليا بمساهمات جزيلة من قبل كل الكاثوليك في العالم جزء منها الصندوق المعروف بالتسمية 'بنس بيتر'. وتحصل هذه الدولة التي لا تتجاوز مساحتها 108 هكتارات مربعة (تعتبر أرض وطنية حسب القانون الدولي وبينها وإيطاليا تمثيل دبلوماسي على مستوى سفير) الكثير من الأموال من بيع التذكارات الدينية والتذاكر السياحية خاصة أجور التجول في المتاحف والطوابع والبطاقات البريدية والمنشورات ويعتبرون هناك أن من يعمل في الفاتيكان يعيش أفضل من أقرانه في روما. أما الصناعة في هذه الدولة فتقتصر على الطباعة وإنتاج الفسيفساء وخياطة ملابس الموظفين والكهنة.
الفاتيكانيون
ومواطنو الفاتيكان هم الساكنون وراء جدرانه الذين يخدمون في السلك الدبلوماسي في الخارج وعددهم لا يتجاوز 3000 شخص بمن فيهم الحراس السويسريون الذين يتفاهمون بالألمانية في حين المواطنين الآخرين يتكلمون اللاتينية القديمة والإيطالية المعاصرة. وتمنح 'المواطنة' في الفاتيكان لمن يعمل فيه وتسحب ما أن ينتهي عمله، وتمنح للأجنبي المتزوج من فاتيكانية والعكس صحيح وتسحب المواطنة بعد إبطال الزواج لأي سبب، أما جوازات السفر للفاتيكانيين فكلها دبلوماسية. والعلاقات الدبلوماسية يحددها البابا فقط وهو الذي يختار الدبلوماسيين في الخارج ويقرر المعاهدات الخارجية والاتفاقات الدولية، فمثلا الفاتيكان هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي لها سفارة في الصين!
وكر النشالين
على عكس المتصور فان هذه الهكتارات القليلة التي يسكنها ثلاثة آلاف شخص تقع فيها جرائم نسبتها أكثر مما تقع في إيطاليا بعشرين مرة، حسب الإحصاءات الرسمية وتصريح المدعي العام للفاتيكان نيقولا بيساردي، فإن مئات المخالفات الجزائية والمدنية تحصل فيها كل موسم سياحي ووفقا لسجلاتهم فان الكثير من السياح يسقطون ضحية النشالين الإيطاليين ومن النادر القبض عليهم ونسبة الجرائم التي تبقى بلا حل تتجاوز ال 90 %. وحدثت آخر جريمة قتل في الفاتيكان عام 1998 عندما قتل أحد الحراس السويسريين قائد الحرس وزوجته وانتحر بعدها. ولكن الفاتيكان قد ألغى حكم الإعدام منذ عام 1969 بينما كان يعاقب على جرائم القتل بقطع العنق بالمقصلة لغاية عام 1870 أوقات الولايات البابوية.
متاحف الفاتيكان
للفاتيكان أهمية ثقافية ليس من الموضوعية العلمية تجاوزها، فكنيستيا سان بيتر و السيستاين تعدان من أشهر المعالم الفنية في العالم وفيهما أعمال فنانين كمايكل أنغلو وبوتسيلي وبيرناني ومكتبتها الرهيبة لا تكفيها مكتبات لشرح ما تحتويه. ومتاحف الفاتيكان نشأت منذ أن قام البابا جوليوس الثاني (1503-1513) بتجميع مجموعات النحت المهمة في قصره وسمح للجمهور بمشاهدتها ومعرض الملابس الأسقفية المختلفة بدأ برعاية البابا كليمنت الرابع عشر (1769-1774) والبابا بولس في (1775-1799) لذلك يطلق على هذا المتحف لغاية الآن اسميهما. ولاحقا وسع البابا بولص السابع (1800-1823) مجموعة لوحات العصور الكلاسيكية القديمة التي كانت نواة للمتحفين الحاليين: Chiaromonti و Braccio Nuov بينما أسس غريغوري السادس عشر (1831-1846) متحف Etruscan الذي يحتوي الاكتشافات الأثرية وبعدها أسسوا المتحف المصري في عام 1839 والمتحف المسيحي عام 1844 والمحتوي على التماثيل والنقوش وفسيفساء العصر الروماني والمقابر العبرية القديمة في روما التي لا يمكن وضعها في قصر الفاتيكان لكن تم الاحتفاظ ب 137 نقشا لهذه المقابر بجهود البابا جون الثالث والعشرون (1958-1963) وتم افتتاح المتحف في عام 1970.في المتاحف معرضا لأقمشة النجود العائدة للقرن السابع عشر ومعرض الشمعدانات ومعرض الخرائط ومجموعات الفن الديني المعاصر ومتحف الفاتيكان التاريخي الذي تأسس عام 1973 وغيرها من المتاحف التي بفضلها قرروا في عام 1984 إضافة الفاتيكان في عداد المواقع التراثية العالمية التي تهتم وتشرف عليها منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة وطبقا لاتفاقية لاهاي لعام 1954 فأي دولة ليس لها الحق بالتعرض إليها في حالة حصول نزاع مسلح.

ميلان .. المدينة الجاهزة للحياة














ميلان - د. جمال حسين علي:

هي مدينة صناعية تجارية سياحية من الطراز الأول، فقد جمعت ميلان هذا المثلث الصعب والذي يبدو نشازا في بنية المدن الأثرية القديمة في عصر تحولت فيه الأقوال والأحلام إلى أفعال، فحمائمها لا تخدشها الواجهات التجارية ولا عصافيرها تختنق بدخان المصانع ولن يضطر زائرها المحب للطبيعة البحث كثيرا للترفع والجلوس أمام الخضرة المروحة للنفس، والمدينة لحسن الحظ حافظت على الرياح والألوان المعادن والسكون والتنظيم المنقط على الحشود التي تبلغ شوارعها المتوسطة الحجم وغير المجبورة على الفرار من زوابع الضجيج.يسكنها 1.3 مليون نسمة ويزورها مثل هذا العدد وفيها الكثير من المقيمين الأجانب وخاصة من البلدان العربية وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. يعود أصل ميلان إلى 400 قبل الميلاد، عندما استقر فيها الزعيم الأسطوريGauls بعد هزيمته لجيش Etruscans وفي 222 قبل الميلاد فتحها الرومان وجعلوها ملحقا للإمبراطورية الرومانية. في 313 بعد الميلاد وقعت مرسوم تبني المسيحية ومن ذلك الحين ظهرت فيها المباني الدينية والكنائس التي يفخر بتصميمها ومعمارها الجيل الراهن لاسيما Sant'Ambrogio المنتصبة في الداون تاون الميلاني والذي أصبح رمزا للمدينة بالتسمية التي يعرفها الجميع هناك Duomo منذ العام الميلادي 1386.
مركز الفنون
لقد أثرت كل الحقب الفنية على ميلان ابتداء من الفن القوطي الذي ظهر في القرن الثاني عشر في فرنسا واستخدم هذا المصطلح لأول مرة من قبل فاساري جورجيو في القرن السادس عشر كمرادف لمفردة 'بربري' باسترجاع للغة اليونانية الرومانية القديمة لعصر النهضة وأعمال هذا الفن تجدها جلية في كاتدرائية ميلان في قلب المدينة التي انشغلت أيضا بفنون عصر النهضة الممتد في القرنين الخامس عشر والسادس عشر والذي بناه الفنانون بعد استلهامهم الفن الكلاسيكي لخلق شيء جديد وخاصة حينما عين حاكم المدينة المصور الأشهر ليوناردو دافنشي لرسم جدران كنيسة سانتا ماريا ومن ذلك المكان والتاريخ خرجت لوحة 'العشاء الأخير'. أما الفن الباروكي فقد ولد في القرن الثامن عشر كجواب فني على البروتستانتية وهي تعبير استخفافي للإشارة إلىexagerate كفن غريب. ويتميز بإتقان المقارنة الحادة بين الضوء والظلام سواء في الرسوم أو النحت. وتميز في هذه المدرسة كارفاغيو المولود بالقرب من ميلان الذي كان يمتلك إحساسا فذا بالطبيعة والضوء تجسد ذلك في لوحته الشهيرة 'سلة الفاكهة' الموجودة في متحف Pinacoteca Ambrosiana و'عشاء في أموس' المعلقة في معرض Brera.وبعد فترة ظهر الفن الرومانسي في كل أوروبا حيث بدأ الرسامون والنحاتون يهتمون أكثر بالعاطفة الإنسانية وركزوا في موضوعاتهم على النضال بين الإنسان والطبيعة واشتهر فرانسيسكو هاويز في هذه الفترة بلوحته الشهيرة 'القبلة' المعروضة في Brera.أما الحركة المستقبلية فولدت مطلع القرن العشرين في إيطاليا واهتمت بموضوعات السرعة والحرب والمدينة ومؤسسها كان توماس فيليبو مارينتي الذي كتب بيانه الشهير عام 1909 ونشره في الفيغارو ومن ذلك الحين أصبحت ميلان مركز الحركة المستقبلية في الفن التي أبرزت الكثير من الفنانين الكبار مثل أومبيرتو وبوسيوني والغريكو وفيليبيو دي بيزيز وغيرهم.وتميز الفن الإيطالي بعد الحرب بأعمال السيراميك والحجارة والفخاريات الرائعة على يد فاوستو ميللوتي وبيرو مانزوني وفن البوب الإيطالي الذي برع فيه فرانكو أنجيلي ولوتشيو ديل بيزو والعديد من رسامي الثمانينات. أنجبت كبار الفنانين والرسامين والمصورين وبناياتها العالية المثيرة التي يسمونها بالمحلية ال palazzos تيسر للمتطلع اقتناء البهجة من خلال رؤيته المدينة من فوق. تحاربت ميلان مع فلورنسا وفينيسيا كثيرا وحل فيها السلام بعد عقود الحرب الطويلة لتنتج أرقى الفنون الإنسانية والآداب بفضل لودفيكو وليوناردو دافينشي ولي برامانتي وغيرهم من الفنانين المشهورين الذين وجدوا في ميلان مدينتهم الغنية عبر العصور المختلفة التي جعل سطوتها الفنية ترتفع في عصر النهضة فالكاتدرائية التي تنتصب في مركزها تعتبر ثالث أكبر كنيسة في العالم.عموما، تبدو ميلان كبقعة مليئة بالرخام والتماثيل الهائلة والأقواس والأعمدة والسقوف المزينة بالرسوم والمذهبات التي تزخر بها سانتا ماريا وديلي غرازيا والمحتوية على أكثر اللوحات شهرة وجدلا في التاريخ وهي 'العشاء الأخير' لدافنشي. وتعد قلعة Sforza واحدة من رموز ميلان مع قلاع: Madonnina وGalleria التي توفر للسائح كل الأسباب لزيارتها.
مركز الصناعة
منطقة ميلان الداخلية تدعى 'مركز الطليعة الصناعي'، في تصنع المنسوجات والملابس والمواد الكيميائية والسيارات والأدوات الميكانيكية والمكائن الثقيلة والحديد والفولاذ والسفن وبذلك تعد أكبر المدن الصناعية الإيطالية.وميلان منذ القرن العاشر أصبحت أكثر مدينة مأهولة بالسكان في إيطاليا حيث كانت تصنع الصوف والحرير والمعادن والأسلحة.
مركز التجارة
فيرا ميلانو هو المعرض التجاري الرئيسي فيها وكذلك ساحة الألعاب الجديدة التي افتتحت في الضاحية الشمالية الغربية منذ أبريل 2005 عند ال Pero وRho ويعد المشروع الأهم في أوروبا والمعرض التجاري الأكبر في العالم.
مركز المهرجانات
وتشهد ميلان العديد من المهرجانات والمناسبات الفلكلورية كمهرجانSant'Ambrogio الذي يقام مرة في العام الموافق السابع من ديسمبر حيث تحتفل المدينة بذكرى القديس أمبروز، وفي غضون هذا المهرجان تفتتح الأوبرا في أكبر مسرح للأوبرا في العالم وهو 'آلا سكالا' الذي لا ينافسه سوى 'البلشوي تياتر' في موسكو. وهناك كرنفالAmbrosiano الموافق 6 يناير من كل عام حيث يتزين كل المشاركين ببدلاتهم المثالية وبدلة الكرنفال مكونة من ثلاث حافات وباروكة وضفيرة وسترة وملابس خضراء وحمراء وسوداء وجوارب مخططة بيضاء وحمراء وقميص أصفر ومنديل حول الرقبة وأحذية سوداء مشبكة بأقواس ويحمل المحتفل شمسية وردية. في حين يحتفلون بالزهور في 13 مارس من كل عام في مهرجان Tredesin بينما يقام معرض الزهور في أبريل ويستمر يوما واحدا حيث يعرض الباعة زهورهم النادرة والجميلة على جادة شارع نافيغيلو بانتظار اختيار أفضل زهرة في العام.
مركز الآثار
تفخر ميلان بالكثير من الآثار التي تعتبر رموز المدينة، فهناك قلعة سفورزا المبنية في العام الميلادي 1358 والتي عانت العديد من المصائب وثمة ميدان ميرسانتي الذي يعتبرونه قلب القرون الوسطى والملعب الواقع بالقرب من قلعة سفورزا وهو مسرح أيضا أغرق في الماء لتنظيم معارك بحرية وقوس السلام الذي شيده لويجي كانغالو في عام 1806 وأنهاه فرانسيسكو بيفيريللي عام 1826 بعد هزيمة نابليون في واتلرو ليفتتح عام 1838 من قبل امبراطور النمسا فردينادي آي.وأحد أهم المباني الكلاسيكية الجديدة هي الفيللا الملكية التي بنيت عام 1790 من قبل ليوبولدو بالاك المزينة بالأعمدة والمحاطة بحديقة إنكليزية الطراز ونماذج جصية مذهبة باللومبارد التقليدي الحديث.هناك في ميلان أيضا المقبرة التذكارية التي دفن فيها كبار الفنانين في التاريخ مثل جياكومو ولوكا وبيترو وبيناشيه وفيلا واليساندرو وفرانسيسكو ومونتالي وغيرهم الكثير.
مركز المتاحف
لكثرتها لا تستطيع بالدليل زيارتها كلها، عليك أن تتجول بدءا من لوحة 'العشاء الأخير' لتتحضر إلى جولة بانارومية لميلان انطلاقا منDuomo وقلعةSforzesco وتتمتع بسماع لحن فيردي في المقهى المقابل للقلعة. لتطوف نحو المعرض الفنيAmbrosian المفتتح عام 1618 وهو الأقدم في ميلان، ولابد أن تتحرك صوب لوحة رافائيلو 'مدرسة أثينا' وبعده هناك المعرض الفني لقلعة سفورزا المنقسم لكثير من الأجزاء والقاعات التي تحتوي على انتاج عصور الفن القديمة والفنون التطبيقية والآلات الموسيقية ومجموعات نادرة من النقود المصرية، وفي ميدان كاستيلو ستتعرف على مايكل أنجلو، غير أن معرض بريرا الفني سيريك الفن الإيطالي بمجمله في الفترة من القرن الرابع عشر حتى القرن العشرين. سترى هناك لوحة 'زواج العذراء' لرافائيلو ولوحات جيوفاني وبيليني وبييرو ولوحة أندريا مانتيغنا 'السيد المسيح يموت' و'عشاء في أموس' و'السيد المسيح في العمود' ومجموعة اللوحات الإيطالية الغيبية التي أذهلت النقاد على مر العصور ومجموعة ماريا وأميلو جيزي وكل التجاوز العظيم للفن الإنساني.وهواة البحر بإمكانهم زيارة المتحف البحري الذي يعرض نماذج السفن والقطع البحرية النادرة والخيمة الحمراء التي دفأت أول زائر للقطب الشمالي الجنرال نوبوليو. ومحبو الفن المعاصر سيستفيدون جدا بعد زيارة المعرض الفني الحديث الذي يحتوي على مجموعة الانطباعيين الإيطاليين ميلانيز ونتاج مدرسة ماشيالو ومجموعة غراسيا وجيوسيب. ولعل متحف التاريخ الطبيعي سيجذب المغرمين بالحيوانات والطبيعة والطيور والمتحجرات وكل ما له علاقة بعلم الحفريات وعلوم المعادن. والأمر نفسه سينطبق على محبي السينما الذي يستطيعون زيارة متحف السينما ومكتبة الأفلام السينمائية الإيطالية، وهناك سيشاهدون الفترة التي سبقت اختراع الصور المتحركة وأصول السينما ومراحل تطويرها. وهناك الكثير من المتاحف لا يتسع المجال لذكرها مثل متحف كنيسة القديس أمبروز ومتحف علم الأجناس البشرية ومتحف الناس والثقافات ومتحف التاريخ الطبيعي ومتحف تياتر آلا سكالا
ومتحف جامعة الفن ومتحف الأفلام ومتحف العطور ومتحف ألعاب الأطفال ومتحف التاريخ المعاصر ومتحف العلوم والتكنولوجيا وغيرها.

فينيسيا: المنال الغارق في الفرح والأمواج












فينيسيا - د.جمال حسين علي:

لكل ميناء أخلاق، وأخلاق فينيسيا الجمال. وعميقا في أرجاء المدينة - الجزيرة يدركك شعور بأنها خلقت فريدة، غير أن مصيرها الذي لا يبان كحورية مالت الى الجمال كثيرا تضعك في جوف مسرح عرائسها لتتخطى بنظراتك في كل الاتجاهات علك تعثر على جوهر وجودها وتخمن سر كل هذا الجمال المجتمع في مكان واحد. ذاقت فينيسيا مئات المرات ملوحة أمواج 'الأدرياتك' واجتنبته في كل مرة بمعجزة شفاء خيالية والتطلع بفصول سيرتها يجبر على التوقف عند مؤتمرات لخبراء ومتخصصين يناقشون تحت شعار منظمة بريطانية 'فينيسيا في خطر' الحلول لانقاذ مدينة شكلتها الآثار وسوقها التاريخ بالآثار المكتفية بلعبة الماضي والمستقبل معبدة مجرى المياه الطافح على زواياها كخبز داكن ليس بالضرورة زيادته كنقصانه مالئة تلك المياه أفواه الزائرين بأسئلة لا يتقن أغلبهم دواخلها، فالمدينة لا تترك لأحد فرصة التقاط أنفاس التذمر ولا حتى وصفها بما يليق. عند ساحة القديس مارك وهي 'الداون تاون' الفينيسي بكل اشراقته وزهوه، ثمة بقع من الماء لا يجوز وصفها بالبحيرات المتناثرة، تبدو كأن مطرا عابرا مس شغاف المدينة تدبر أمره في صفحات التاريخ ورطبها وطار كبساط ضائع في الكونولعل الشعور بالماء أول ما يقفز في ذهن أي زائر، غير أن الأمر قد لا يتعدى مكون المدينة التقليدي، وما يخشاه من يحب المدينة هو ذاك الماء الزائد الذي يسمونه: الفيضان! والفيضان كان قد أغرق فينيسيا عام 1969، الأمر الذي دفع الحكومة الايطالية باطلاق مشروع 'موسى' كلفته أكثر من 4 مليارات يورو سيبدأ تنفيذه عام 2011 لانقاذ المدينة ببناء سد تحت الماء أثار الجدل الواسع وسط. وسدود الماء عبارة عن 78 حاجزا للفيضانات توضع ما أن يهدد المدينة الفيضان وترفع ما أن يزول الخطر بشكل ميكانيكي محسوب بعناية.وثمة خطة أخرى تنحصر في استغلال الماء الزائد في رفع المدينة نفسها وذلك بضخ كميات من مياه البحر تحت ارض المدينة في 12 أنبوبا يصل طول كل منها الى 700 متر، ويعتقدون ان ذلك سيرفع من الأرض بنحو 30 سم في غضون 10 سنوات. من الصعوبة تفسير حالات المد التي تشهدها فينيسيا، فقد كانت 7 حالات مد في العام مطلع القرن العشرين، في حين ازداد هذا الرقم ليبلغ 200 يوم من المد في العام الواحد منذ مطلع القرن الجديد. فالساحة المباركة بالطيور والابتسامات والفرح والكونية التي جمعت كل الأجناس على طبق من بهجة، داهمها الفيضان مائة مرة في العام الواحد، بعد أن كان يتحرش فيها قرابة عشر مرات فحسب، لذلك فان مجرد الاحساس بدنو أجل المدينة بسبب الماء، سيخنق الضحكة وذكريات الأمل في مدينة الملائكة.
مدينة النهضة
فينيسيا التي يسكنها أكثر من ربع مليون نسمة بقليل والتي تؤطرها مائة جزيرة أو أكثر، تترابط ببضع مئات من الجسور وآلاف الشوارع الضيقة طالما تمتعت بسيادتها وسطوتها وقوتها بسبب البحر الذي جعلها في يوم ما من القرون الوسطى دولة قوية بذاتها أذرعها قوتها البحرية وجمالها مسرحها الدائم وعمارتها التي لا تضاهى وجندولها الخالد الذي لا يجاريه نهر في السحر والتميز. (في الألفية الأولى سيطر أسطول فينيسيا على الأدرياتك وكل الممرات البحرية الى فلسطين واحتكر التجارة الى المناطق العربية).هناك يتدحرج التاريخ من ساحة القديس سان ماركو لغاية انتصاب قصر جيوفاني داريو مرورا بالغنج المتباهي لمبنى غارديني وزهور شارع الشيطان والمحبين الذين يتنامون في ساحة سان ماركو والألعاب التي لا تنقطع مع الطيور والألحان القادمة من عازفي المقاهي القريبة الذين يفرشون قدر الموسيقى وانصهارها بالماء الذي يمسح كل الخطايا. لا يحتاج متحف دوكالي ومتحف الزجاج الناطق سوى الى الابطاء في السير والتوقف تحت الثريات والقطع البالغة الثمن المزخرفة بالذهول وتلك الوجوه المثمرة الأقنعة المستوحاة من عمق أعمال رسامي عصر النهضة والنحاتين الكبار الذين أمعنوا في تجسيم خيولها البرونزية الجامحة.
مدينة الأحياء
لو يتضايق الزائر المحب للهدوء والطبيعة من الحشود السياحية في سان ماركو فبامكانه التراجع نحو المناطق الأهدأ نحو شرق المدينة باتجاه قلعة الكاستيلو والشوارع البوهيمية الأنيقية المحشورة بالكنوز الفنية التي ستلقي به الى كنائس كاناريغيو المضروبة بالافتتان وسيلقى المتعة في مشاهدة الأعمدة المزخرفة بالمناظر المجسمة في سان بولو التي تعد أماكن مثالية للتجول. ثمة ثلاثة طرق رئيسية ترتبط بسان ماركو ينبغي المرور منها للقبض على سر المدينة وتشكل مثلثا من ميدان سان ماركو باتجاه جسر ريالتو ومن ريالتو الى أكاديميا المزروعة بفخر بكل انتاج عصر النهضة المتأخر والكلاسيكي والقوطي والبيزنطي المتوجة بكنيسة دي سان ماركو والتي تضم ضريحه في عام 830 ميلادي والتي أعيد بناؤها في القرن الحادي عشر ومساحتها 4000 ياردة مربعة من الفسيفساء المذهبة وفي حالة الظفر والصعود الى قمة الكنيسة يمكن مشاهدة فينيسيا عبر 360 درجة دوران واذا تمكن المرء من تحقيق ذلك فجرا فلا توجد كلمات تصف شعوره ولا مفردة تحصر ما سيراه حينها. ومنها سيكون سهلا الوصول الى مربع Palazzo Ducale وهو قصر رئيس القضاة ومسكن زعيم فينيسيا ومركز الادارة القانونية والسياسية المليء بالقطع الفنية الثمينة والمزين بالآثار النادرة وهناك أيضا Biblioteca Marciana و piazzetta حيث المكتبة ومقر التعليم في المدينة، ثمة العديد من الغرف التذكارية مفتوحة للجمهور تشرح وتفسر تاريخ جمهورية فينيسيا وفي الوسط لا بد أن تنتبه الى لوحة Carpaccio المشهورة بالسيدتين الفينيسيتين.ومن ميدان سان ماركو ستهبط أقدامك الى سوق ريالتو حيث ستمر من خلال مربعات سانت سلفادور التي تسكن أديرتها الاتصالات مركز ايطاليا المستقبلي الآن والذي سيزودك بمعولمات كافية لرحلتك التي ستجبرك على التوقف عند كنيسة سان استيفانو والتطلع الى برجها المائل. لا يمكن حصر القصور والمعارض والمباني الدينية في تحقيق واحد فالمدينة عبارة عن متحف كبير لا يمكن أن تغفر لك الأيام اذا لم تشاهد كاليري أكاديميا وجامعة فينيسيا وكاريتا ودورسيدور والمعرض الشامل لصور فينيسيا والحائط المليء باللوحات المصمم من قبل الرسام الكبير تينتوريتو والسرادق البيضاء في الكنيسة الباروكية الرائعة وبلازا فينيرا وبيت بيجي غوغنهام وأعمال بيكاسو وكاندينسكي وماكس غيرنست وغيرهم.
التيه الرائع
ستتيه حتما في فينيسيا وهذا أروع شيء ستفعله بك الأقدار، فالتيه سيلقي بك للتجول اسفل الممرات الضيقة حيث تدفق المياه وارتطام الأمواج أسفل النوافذ وسيقودك الجسر نحو آخر الى متاهات القنوات وفي حالة شعورك بالتعب، أسأل أي شخص هناك، فواجبه ومتعته الحقيقية سيجدها حين يرشدك الى الاتجاه الذي تريده. مدى المدينة يحق التساؤل: الى أي مدى تسير فينيسيا؟ وكيف يمكن الكتابة عن هذه المدينة لمن لم يرها بعد؟ فلم تمر دقائق دون سماع البوق التقليدي للسفن وهو يقدم التحية خلال وصوله الى مرافئها. العديد من السفن العملاقة تلقي بالزوار كل عشر دقائق تقريبا وبذلك يصعب جدا احصاء الداخلين اليها والخارجين من هذه المدينة التي ستبقى طالما نريد لها أن تبقى الى الأبد وفيرة متدفقة جذلة الفرح، ثمرة حبنا الذي افتضح.

دلمون وبعدها التاريخ.. رؤى القلاع ومئزر الأحلام


البحرين - د.جمال حسين علي:


أنما نذكرها لأنها أرض الخلود والجنة والمزروعة في ملاحم وادي الرافدين والتوراة، ولنا أن نتساءل عن أولئك البحارة المتأخرين البارزين من بين الأمواج في فلكهم المبعثرة وهوائهم المختوم بالغربة، ولنجعلها مسامرة نحيي فيها أقدم مدن التاريخ التي صادف وجودنا إنارتها والميناء القديم في بهاء قلعة البحرين، آخر عواصم دلمون والمرصعة لساحل البحرين الشمالي بمناسبة مرور 50 عاما على اكتشافها.
سر دلمون
طبقاتها التاريخية تمتد لأكثر من 5 آلاف عام بالإشارة إلى ما قامت به بعثات الآثار الدانمركية في البحرين التي تجاوزت الشك في اليقين بأن دلمون وجزيرة الالهة البالغة الحضارة هي البحرين الراهنة. وإن كان حديثنا عن سالف الدهور حيث الرمال غطت دلمون ومعابدها وأسواقها وقبورها التي تجاوزت المائة ألف قبر، فلكم أن تتخيلوا كم من البشر عاشوا هنا لو أن ضجيج أمواتهم يسمع ضمائرنا لغاية هذه اللحظة، وكم غطت الرمال حضارات في غمرة هذه الجزيرة الذهبية، انه واحد من ألغاز دلمون، كما السؤال المحير الذي طالما أجله الباحثون : من أين كانوا يحصلون على غزارة الماء العذب، كما لو صدقت حكاية البحرين اللذين شكلاها احدهما مالح والآخر نابض بالعذوبة والحياة. وبإضافة لغز آخر انبثق بعد اكتشاف قطع الذهب والفضة و العاج والنحاس والخزف ونبال صيادي ما قبل التاريخ والجرار الفخارية و وقطع البلور الملحية ومقالع الحجر و حجر الصوان الذي استعار لون الكهرب وحلي لا تقدر بثمن ضمتها القبور، ويمكن اللجوء إلى حل أخير : كان بناة الحضارات الغنية يجلبون موتاهم ويدفنوهم فيها، كظمأ للخلود ومداهمة للجنة المبذولة في طيف الجزائر المتقاطرة على فراش البحر.

ألغاز متوالية
وتتقاطر الألغاز مع سؤال كهذا : ما الأشياء التي صنعها الإنسان هنا وما الذي صنعه البحر والشمس! وبافتراض ان السادة المبجلين الذين يحيون هذه الآثار اليوم حددوا عمرها بخمسة آلاف سنة، فأي دهشة ستصيبهم لو علموا بأن أدوات العمل الحجري التي تم إيقاظها من بين الرمال تحمل عمرا ليس أقل من 50 ألف سنة وبتنوعها وطرازها المختلف الذي ينقل ثقافات مختلفة لأزمان مبتسرة شديدة العمق! لننظر إلى الخيول المدفونة مع فرسانها و السهام والأدوات الزراعية والمناشير المتآكلة من كثرة الحصد والمناجل ذوات المقابض المصنوعة من الخشب والعظام وشرائح النحاس التي تستعمل كمرآة بمعونة قليل من الماء، آلات كهذه لم يعرفها سوى إنسان بلاد الرافدين ومصر وبعدهم الحضارة المكينية في اليونان، فكيف وصلت إلى هنا!
إتلاف كنوز
لم يكن اللصوص وحدهم من تطاول على مئزر الأحلام، بل إهمال وجهل الأجيال التي لم تنر الحضارة عبيرها عليها، فتلك القباب الأثيرية التي لا يعادلها جدية شيء في التاريخ، تم هدمها لبناء ميناء، في الوقت ذاتهأتلفت الكثير من الآثار وتناثر الرمل المعجون بالذهب. هكذا لم تنج الكثير من القبور القديمة من العبث والسرقة والتهديم وكتابة ذكريات سمجة على حجارة مديدة الحضارة تم التعامل معها كخرائب على المارة الإمعان أكثر في تخريبها. وما الذي يمكن فعله مع جبال من الفخار المهشم بعدد القلوب التي تحطمت في هذا المكان عبر آلاف السنين. حتى المواقد التي تحدثنا بحلقات الأولين وتفكك موجات أسرارهم، كأنها أشعلت قبل ثوان بتلك العفة التي تتمايل بها أكفهن المحلات بالذهب وأوشام غابر الزمان لتصب الأباريق النحاسية متوهجة نير امرأة تشتبك أصابعها مع اللحظة نفسها التي نمر فيها أمام الموقد المنشأ على نحر سنوات طوال من انفراج الأرض على جبهتها العذبة، نزوع قمر مليء بمرونة ما خلفه بشر وما انصاعت إليه بقاياهم التي ستظهر مع كل فجر ولود.
مجتمعات متداخلة الإرث
المهارة في التصميم والتصوير والتطور في ورش صناعة الفخار وصهر النحاس وما يرتبط به من أشغال يدوية ونماذج الأسلحة وأنصال الرماح والأختام الأسطوانية التي تم العثور عليها وأشكال الحيوانات: الفيلة والثيران والماعز الجبلي والطيور والثعابين والعقارب، تشدد على وجود ارتباط كبير بين أناس القلعة وحضارات بلاد الرافدين وعيلام والهند، أما عالم الآلهة والأزياء والأختام والفخار الدلموني، فهذا لا يقبل أي جدل من أنها حملت حضارة بلاد الرافدين. هناك حيث يدوي الرنين المبهر للتاريخ في هيئة قبر يعتبر ميثاق السفينة التي حملت الملحق التجاري للملك البابلي نبوخذنصر إلى دلمون ومعه زوجته التي تتكئ عليها محفظتها النسائية البرونزية وفتياته الصغيرات المدفونات في قبر بيضاوي كبير مع جرار فخارية تشعر بثقل عظامهن الناحلات بارتداد آلاف الموجات من التاريخ الذي حملهن من بابل إلى دلمون، هي الموجة ذاتها التي ارتفعت شاقة سبيلها لتعلن ميلاد الكون البعيد المنال.
نذور المعابد
المعابد الثلاثة القديمة في باربار طمرت آلاف السنين بفعل العواصف الرملية، وبغض النظر عما كانوا يعبدون هنا، فإن إنسان تلك الأوقات كان حليما بما يكفي إزاء القوة التي كان يعبدها (لديهم آلهة للماء والنار والخصب والحكمة غيرها). وكانت المعابد تهدم ويعاد بناؤها لأسباب عقائدية طوعت الهندسة المعمارية لخدمتها وكانوا ينتزعون شيئا ليبنوا بواسطته شيئا آخر، ولم تسلم هذه المعابد من أعمال النهب، فالخنادق والحفر الضيقة اقتلعت وأواني الزجاج الخضراء هشمت وسيراميك سامراء المرمي في بئر المعبد أزيل هو الآخر. يفسر خبراء البعثة الدانمركية عملية التنكيل التي تعرضت لها المعابد بافتراض تاريخي مختصره أن البحرين في غضون الثلاثة آلاف سنة الأخيرة تعاقبت عليها الكثير من الدول والحكام الذين كانوا يحرصون على بناء معابدهم الجديدة في هذا المكان الذي اعتبروه مقدسا، ولو نتجاوز هذه الفرضية، ونمعن النظر في هذا المشهد : كل حضارة تبني معبدها على معبد الحضارة التي غادرت التاريخ، لأي تخوم سنصل، وأي مجسم سيمنحنا فرجة المعابد المبنية فوق بعضها، أنها صولة شراع يوافي نذره ناثرا قرابينه على تل الأحجار التي تراكمت لحماية المعبد من الشرور.
قلعة البرتغال
ستمر آلاف السنين حتى يظهر العرب في القرن الرابع عشر الميلادي ويشيدوا الأبراج في زواياها ويوسعوها ويجعلوها عامرة لغاية ظهور البحارة البرتغاليين في الخليج في مقدمتهم فاسكو دي غاما وليس انتهاء بالأدميرال ألفونسو دي البوكيرك الذي أبهره موقع البحرين وعجبه لؤلؤها، فشيد ميناء البحرين عام 1512 وجدد قلعتها التي صارت تسمى، على الأقل محليا، منذ ذلك الوقت ولغاية اللحظة التي زرناها 'قلعة البرتغال'!ميناء القلعة عد المنفذ الرئيسي للمستعمرين البرتغاليين ومنه كانوا يصلون تجاريا بالعالم حيث ربطوا القلعة مع البحر بقناة.
استعادة التاريخلمن يطلع جيدا على هذه الأرض ينتابه انطباع بأن كل شبر فيها تاريخ. وكان لظهور التحف في أول معرض أثري أقيم في البحرين في مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق عام 1957 الإشارة الأولى لوجود آثار بالغة الأهمية في البحرين تم انتزاعها وإخراجها من البلاد بطرق شتى، الأمر الذي دفع لولادة اتجاه يعيد التاريخ للبحرين بمساعدة منظمة اليونيسكو التي وقعت مع البحرين اتفاقية بهذا الخصوص بعد عشرة أعوام من إقامة المعرض المذكور. أعقب ذلك تقرير اليونسكو 1968 بعنوان : 'حماية الممتلكات الثقافية وتطوير متحف البحرين'، وأهم ما دعا إليه هذا التقرير هو ضرورة أن تعيد البعثات الأثرية ولاسيما الدانمركية والإنكليزية والفرنسية ما تم أخذه من آثار البلاد وتصديره للخارج.
مشجب المجد
لقد طوى الموت بناة هذه الحضارة التي شقت سبيلها لميلاد جحودنا، فهذا المكان بدا وكأنه ملتقى كل الثقافات : البابلية والسومرية والهندوسية واليونانية والفينيقية والفارسية والصينية بالمزهريات وقطع النقود التي تثبت دعائم هذه القلعة التجارية.ولا غرابة في أن تضيق أجساد زوار قلعة البحرين وتتضاءل أمام عمقها وسعتها في وقت بدأت القناديل فيها، تضاء لأول مرة، في هذه الأيام حيث تعود حاملة نسيجها الواهن في سكون أولئك العظام الذين تعاقبوا عليها لتبقى وإياهم مشجبا للمجد.

قلعة الرفاع
شيدت لأسباب قيل انها دفاعية وسكنية أيضا فوق المنطقة الصحراوية الواقعة بين الرفاع القديمة والرفاع الحديثة من قبل الشيخ سلمان أحمد الفاتح عام 1812. وتميزت بعمارة تقليدية حيث الغرف المستطيلة التي يتوسطها فناء مركزي ومصلى وبئر حفر غربها. في غضون زيارتنا لها كانت خاضعة للترميم الذي بدأ عام 1989 وقيل انه انتهى 1993 ولكننا رصدنا وجود أعمال لتطويرها.

أنداء مدينة في أهدابها الطهر




المحرق - د.جمال حسين علي:

لكم أن تصدقوا كل كلمة نقولها عنها منذ اللحظات الأولى للبلبل والديك لغاية النور الذي يشب بين أضلاعها والنداءات الخجولة لسكان مدينة بدأت ترتطم بالتحديث.أن أصعب ما يواجه الذي يرغب بالكتابة عنها، أن كل طرق الكتابة تصلح لمقامها وأي نوع من المفردات يمكنه الصب على شبابيكها والفراغ المملوء بين حاضرها وماضيها، لقد بنيت بيوتها بتراص متعمد يوحي للعابر بأن كل باب يلقي بك للذي يليه، تلاحمها، له معنى واحد، أن الذي يمضي سالكا بيوتها، كأنه يمشي في بيت واحد، هي ألفة الجدران، كالعباءة التي تغطي شعبا.لا يخبرك أحد بجوهر المدينة، عليك فقط الاستيقاظ في ذلك الندى وأن تفعل كل شيء لركب سحرها وأن تكون طيعا لأزقتها، لتلقي بك أينما تشاء، حتى البضاعة الزهيدة التي رأيتها في أي مكان، هناك تكون لها قيمة أخرى، فهي خارجة من أفقها، حين تكسب شيئا من هذه المدينة، يعني أنك لن تغادرها.لأوانها الفاتح للحياة، وللمدينة السيدة التي تهمس لزوارها بالمدارك والزهو نبعث سرادق كلماتنا لتتكئ على حافات عتباتها لندلف متأرجحين على مقاعد أولئك الناس الذين قدموا لنا هذه البهية المستكنة: المحرق!ليس بالضرورة الغور في مسببات خروج البيوت إلى الشوارع الضيقة، أو انهمار الشوارع داخل البيوت، أو من أين طرأ التشكيل من الداخل إلى الخارج أو بالعكس، لكنه الغور الضيق بين بيوتها الدال على ضيق الفرصة للعابر في أن يتلفت أو يرفع عينيه للأعلى، ان شوارعها المتداخلة تسمح للجواب بالمرور فقط.المدينة تبدو كالحصن لعابرها، تصد منزلقات الطبيعة ومفاجآتها، بمعنى أقصر، تحميك. وبلا استئذان تجد نفسك في محيطها وفي داخل بيت دون أن تعلم بأنها شكلت هكذا كأنك تدور في قرص مرصع، بلا أرقام وتواريخ وعتبات مدرجة في التسجيل العقاري، هي للجميع، ولمن ينسج هكذا كلام، تطويه بين الفكرة والرخام، فيما بقاؤها ودوامها في أنها لا تشهد لعينيك بالزور: حقيقية، ساكنة بلا مبالغة، تقدم نفسها إليك بتواضع الفتية الفائقة الجمال والشقاء.
المدينة السفينة
وكما لو تطوح بك أشرعة، يفعلها سنامها، وغيدها الذي يعكس صورتك عبر زجاج يوصلك بين الحجرات كمن يلقي بك في حضن العالم، تعال كانطواء، ستجده هناك حين تتجه منازل بأكملها في مقبل واحد: القبلة التي يراهن الجميع عليها.وطالما تبقى على حالك، ستبقى على حالها، كيانها مستقل وإن ترابطت بيوتها مع الأخرى في عناق لا ينفصم. وبهذا المفهوم لا يمكن في أي حال، أن يخطر في ذهن الناظر أن هذه المدينة شيدت بالصدفة وعلى أهواء شخص واحد، لقد شيدتها بالتأكيد، أجيال ممعنة بالأصالة.
القصور الحافيات
القصور كانت تشيد عادة لأسباب عسكرية وتأتي الوجاهة في المقام الأخير.غير أن التقليد المتبع في تلك الأوقات يصر على علو بيت الحاكم على سواه لتحيطه علية القوم بالتدريج هبوطا نحو المسحوقين المطليين بلون العذاب وسحنة البحر.والبحر أيضا تلهى بمنجزات مزاجه وقع المدينة وصداها، في جزره ومده كان يهدي بعض الأمتار كل عام من اليابسة لتتوسع المدينة وتكثر صخورها وشعابها.وكلعبة الأغوار، تمركزت على مر الدهور، العائلات المنسجمة الأصل لوحدها مكونة وشيجة واحدة منبعها وحدة المعمار، فيما القبائل كانت تسير باتجاه ساحل البحر، تمضي فيه مع السنين والطرق التي ستشق بعد ظهور جيل جديد.
البيوت التي ترى
كون البيوت عيونا، وهي أفضل طريقة تجعل البيت يرى الشارع ومن في الشارع لا يرى من في البيت. وإن أدركت بضعة شيوخ، يقص كل لمن يسمعه بالكاد ذكريات المدينة الأولى، ستسمع منه ارتجالها وجرأتها في عدم الاتكال على الطبيعة ومقارعتها، فلم نعثر على مدونة أشارت إلى وقوعها في حالة عطش مزمن وجوع قاس طويل، ويبدو أن نبوءة المدينة ومخاضها، أن الجميع فيها كانوا يعملون على مدار القرون.فناء البيت الذي يسمى "الحوش" سيمضي إلى السماء بلا سقف، كحال البيوت البغدادية والدمشقية وقصور الإسكندرية، ومساحته تدل على ثراء المالك وإمكاناته التي تتيح له شراء الهواء وبناء الأرضية بالصبان الملطف للحرارة وتحيط هذا الفناء باقي غرف المنزل، بمراعاة عدم وجود إطلالة لغرف النساء لا على الشارع ولا على الرجال الذين يهوون الجلوس في الحوش.هي طريقة منظمة لحبس النساء ورميهن أبعد إلى السطح، ليكن هناك قريبات أكثر من النجوم والأحلام.
موت الجدران
بيوت المحرق تبدأ وتنتهي على الشوارع الفرعية، فلا جدران وأسوار عالية تحميها، البيوت هناك هي الجدران. وهذا الأمر ينطبق فقط على المنازل الصغيرة وليس على البيوت الكبيرة والقصور. ولعل ضيق مساحة الأرض، جعل البنائين يقتصدون في إضافة جدران وباحة ومدخل وممر يؤدي إلى غرف المنزل، وهكذا استغلوا كل شبر في البيت وملأوا كل فراغاته ويمكن للناظر التمعن بالزخرفة والنقوش والأقواس والأطر والألواح المنحوتة كجزء من تصميم البيت الغني التنوع والدلالات بدءا بالمزاليج وامتدادا لأعمال الحفر والتخريم والزجاج الملون الذي يؤدي وظيفتين: تزويق البيت وحجب الرؤية الشاردة.
فلسفة الأبواب
والأبواب مواسم، ورمز البيت فالعابر يتعرف على البيوت من أبوابها، وهي امتياز وحمل متاع ومصب وتلك الأصوات غير المسموعة جيدا، فالأبواب صدى،، وللجواب الذي لا يبرح عنها استذكار للرحلة، والأبواب أماكن سيقول انه كان فيها، ستضيف له يوما على أيامه ومضيا امتلكه، والأبواب مفترق الطرق التي سلكها والميدان. هي عزلته وأوراق ماض تعبر عن فخامته، فيما يصورها كبطاقات قديمة لأسفار ممحوة، تعيش أو تموت، حسب ما تقرره أبعادها وعمقها وأسئلتها: الأبواب. غير أنها أطر محتالة تزين نفسها كعذراء مطمورة المواهب ومصاريع تتسع تهدي النجوم والمطارق والأقفال كما لو كانت مخلوقا من خشب محتشد بالمسامير والألواح الحديدية، إن من صنع مثل هذه الأبواب لابد وأن يفخر في مساء ما بأنه فعل شيئا: أنجز العمل.والأبواب وظائف وأنماط وطبقات، فأبواب الشعوب ليست كأبواب الملوك، إذا، الأبواب سلطة. طراز وهيبة وخصوصية ورموز وقيم وأسلوب ووعي وأزهار ونجوم وخارج نحو الأقدار وداخل إلى الأمان، الأبواب كائنات ماكرة كل منها له إحساسه المستقل وأفاريز أذرعها التي تثير الجدل حول أعمارها. انها الانتظار والمغيب والتلاقي بعد طول ارتحال ونزهة الابتهاج ما أن تصر بغليانها وميوعتها وغنجها ورطوبتها المبتلى بها قلبها الوهاج، تشابك لا ينفصم بينها وصباحاتها الرقطاء وجفاف الأعين المنتظرة من غادرها ولم تبهر إطلالته مقبل الطريق.
مشربيات الأمل
ليست ضد الريح ولم تصنع لخلق السكون، مشربيات المحرق الموصولة وفق طراز 'التلسين'، صدرية البيت وخطو أطيارها. تبدو نقوشها المنساقة ضد الصيف الطويل الخالي من الضلال، وفتحاتها الموجهة للحشمة المنسوجة بخشب نادر موصل مع بعضه يسمح بفراغات للتهوية وليس لرؤية من في الداخل، دور جمالي - اجتماعي، مبني على بديهية أن تطل على الآخرين ولا يطلون عليك، ولعلها واحدة من العلاقة المترابطة ما بين الفقه وهندسة المعمار، فالشبابيك في المحرق تنصاع لفقه 'ضرر الكشف' إلى حد كبير.ومع ذلك، تقوم المشربيات على مبدأ 'غض النظر' وهي محكومة في معادلة مجحفة: ترى ولا يراك أحد، وهي بهذا المعنى تعبر بشكل عميق عن ظاهرة وقعت فيها كل الأجيال التي تلصصت من وراء المشربية: الحب من طرف واحد!
البنية المكررة
بنيت المحرق على ما هو موجود: المواد والمهارة فيها حجر البحر والخشب والمرجان والجص وجذوع النخيل وأعمدة الجندل وتعريشات البامبو الهندي والحصر المثبتة للأسقف وصفائح متنوعة وسعف المنكرور البصري وطين الفخار المحلي المصنوع في الرفاع وملاط الجير (النوره) والجبس والإسمنت السعودي وغيرها من المواد التي منحت بيوت المحرق ثقة البقاء.
أبراج الرياح
وتبين أن تلك الأجيال لم تفهم بالمعمار فحسب، بل في الفيزياء أيضا. لقد فتتوا الهواء وطوعوه وسيروه بالسرعة التي تناسبهم، فتلك البيوت المطلة على مقبل الريح تتحكم بموجات الهواء من الجوف الأوسع مرورا بالمصبات الضيقة ليزيد سرعته وبالاعتماد على الضغط، سينتشر الهواء بعدالة بين مسامات الجدران التي ستتحكم بتقنية ماكرة بالمساحات المفتوحة وبفضل الضغط أيضا، سيحلق الهواء الحار مرتفعا ليطرد خارج الغرف، في الوقت نفسه يستبدل بالهواء البارد الذي لا مناص من جريانه منسابا لليالي البيوت الذكية. تشبه العملية كإعادة بناء للهواء تلعب فيه هندسة الجدران وسمكها ونعومة أسطحها وقابلية المواد المصنوعة منها على امتصاص الحرارة ودرجة الانعكاس وصمودها أمام التشقق وحجم الفراغات التي يتكتل فيها الهواء، عوامل أساسية لأسلوب تهوية يحول القيظ رذاذا منعشا، طيع السلوك فاقدا عناد اللهيب.
استمرار المدينة
أن تتشكل المحرق بهذا الفيض من الاستثناءات، عليها مداراته وتخبئته كحال الكنوز العظيمة، وهي بدون هذا الكنز ستفقد صورتها واسمها وتاريخها. ومثل هذا النوع من المدن، التي تثير علامات التعجب، ستكون معركتها مختلفة مع المعاصرة وهجوم التكنولوجيا وزحف مغريات المدن الحديثة. وهذا لا يتطلب منا كعابرين، المتاجرة في ذكرياتها ولا إذلالها لمجرد أنها أختنا ولا إيقاظها يوميا بصيحات الإعجاب، انها تحتاج إلى حنان التواصل، ربما الماضي يجعلها أقل بهجة، لكن العلاقة ما بين الحياة والأمكنة لا ينبغي أن تخذل ويتطلب الحال المحافظة على عناصرها لكي لا تتحول إلى مدينة في الذاكرة، لأن خيطها السري قد يحافظ عليها كمدينة في الأحلام والسير والحكايات التي رويت ولم يتعقبها أحد. ربما ستستفيق المحرق بعد عشرين أو خمسين عاما، ولا تجد من يتعقبها ولا بخاطر أحد استفاقتها، عندها ستهرب من جديد للحلم الذي بنيت عليه وعندها ستطمر بنسيان لا مفر منه ولا عودة عنه، وستكون خسارتنا جسيمة لو كدسنا جذوتها في محيطات المتاحف التي يصادفها الناس أو يتحاشونها أو تتحول إلى جدول مدرسي لرحلات الصفوف الشاغرة المبرمجين على عدم النسيان. واثقون بأن حلمنا في المحرق له ما يربطه بحقيقتها، حتى لو كانت هذه الصلة ممتدة بسلسلة صدئة لمركب يلوح بقطعته البيضاء الأخيرة، فهي من طراز المدن التي لا يمكن إعادة بنائها، قدرها أنها جوهرة، لا يمكن إعادة صياغتها إلا كما هي عليه وما يحزم من أملنا، إن عودتها ممكنة، بفضائلها وأخطائها، بحدسها ونظامها وبالكلمات التي تصر على أن تحولها مجرد ذكرى لمدينة ترحل في الاحتمالات كلها.

أنداء مدينة في أهدابها الطهر


المحرق - د.جمال حسين علي:



لكم أن تصدقوا كل كلمة نقولها عنها منذ اللحظات الأولى للبلبل والديك لغاية النور الذي يشب بين أضلاعها والنداءات الخجولة لسكان مدينة بدأت ترتطم بالتحديث.أن أصعب ما يواجه الذي يرغب بالكتابة عنها، أن كل طرق الكتابة تصلح لمقامها وأي نوع من المفردات يمكنه الصب على شبابيكها والفراغ المملوء بين حاضرها وماضيها، لقد بنيت بيوتها بتراص متعمد يوحي للعابر بأن كل باب يلقي بك للذي يليه، تلاحمها، له معنى واحد، أن الذي يمضي سالكا بيوتها، كأنه يمشي في بيت واحد، هي ألفة الجدران، كالعباءة التي تغطي شعبا.لا يخبرك أحد بجوهر المدينة، عليك فقط الاستيقاظ في ذلك الندى وأن تفعل كل شيء لركب سحرها وأن تكون طيعا لأزقتها، لتلقي بك أينما تشاء، حتى البضاعة الزهيدة التي رأيتها في أي مكان، هناك تكون لها قيمة أخرى، فهي خارجة من أفقها، حين تكسب شيئا من هذه المدينة، يعني أنك لن تغادرها.لأوانها الفاتح للحياة، وللمدينة السيدة التي تهمس لزوارها بالمدارك والزهو نبعث سرادق كلماتنا لتتكئ على حافات عتباتها لندلف متأرجحين على مقاعد أولئك الناس الذين قدموا لنا هذه البهية المستكنة: المحرق!ليس بالضرورة الغور في مسببات خروج البيوت إلى الشوارع الضيقة، أو انهمار الشوارع داخل البيوت، أو من أين طرأ التشكيل من الداخل إلى الخارج أو بالعكس، لكنه الغور الضيق بين بيوتها الدال على ضيق الفرصة للعابر في أن يتلفت أو يرفع عينيه للأعلى، ان شوارعها المتداخلة تسمح للجواب بالمرور فقط.المدينة تبدو كالحصن لعابرها، تصد منزلقات الطبيعة ومفاجآتها، بمعنى أقصر، تحميك. وبلا استئذان تجد نفسك في محيطها وفي داخل بيت دون أن تعلم بأنها شكلت هكذا كأنك تدور في قرص مرصع، بلا أرقام وتواريخ وعتبات مدرجة في التسجيل العقاري، هي للجميع، ولمن ينسج هكذا كلام، تطويه بين الفكرة والرخام، فيما بقاؤها ودوامها في أنها لا تشهد لعينيك بالزور: حقيقية، ساكنة بلا مبالغة، تقدم نفسها إليك بتواضع الفتية الفائقة الجمال والشقاء.
المدينة السفينة
وكما لو تطوح بك أشرعة، يفعلها سنامها، وغيدها الذي يعكس صورتك عبر زجاج يوصلك بين الحجرات كمن يلقي بك في حضن العالم، تعال كانطواء، ستجده هناك حين تتجه منازل بأكملها في مقبل واحد: القبلة التي يراهن الجميع عليها.وطالما تبقى على حالك، ستبقى على حالها، كيانها مستقل وإن ترابطت بيوتها مع الأخرى في عناق لا ينفصم. وبهذا المفهوم لا يمكن في أي حال، أن يخطر في ذهن الناظر أن هذه المدينة شيدت بالصدفة وعلى أهواء شخص واحد، لقد شيدتها بالتأكيد، أجيال ممعنة بالأصالة.
القصور الحافيات
القصور كانت تشيد عادة لأسباب عسكرية وتأتي الوجاهة في المقام الأخير.غير أن التقليد المتبع في تلك الأوقات يصر على علو بيت الحاكم على سواه لتحيطه علية القوم بالتدريج هبوطا نحو المسحوقين المطليين بلون العذاب وسحنة البحر.والبحر أيضا تلهى بمنجزات مزاجه وقع المدينة وصداها، في جزره ومده كان يهدي بعض الأمتار كل عام من اليابسة لتتوسع المدينة وتكثر صخورها وشعابها.وكلعبة الأغوار، تمركزت على مر الدهور، العائلات المنسجمة الأصل لوحدها مكونة وشيجة واحدة منبعها وحدة المعمار، فيما القبائل كانت تسير باتجاه ساحل البحر، تمضي فيه مع السنين والطرق التي ستشق بعد ظهور جيل جديد.
البيوت التي ترى
كون البيوت عيونا، وهي أفضل طريقة تجعل البيت يرى الشارع ومن في الشارع لا يرى من في البيت. وإن أدركت بضعة شيوخ، يقص كل لمن يسمعه بالكاد ذكريات المدينة الأولى، ستسمع منه ارتجالها وجرأتها في عدم الاتكال على الطبيعة ومقارعتها، فلم نعثر على مدونة أشارت إلى وقوعها في حالة عطش مزمن وجوع قاس طويل، ويبدو أن نبوءة المدينة ومخاضها، أن الجميع فيها كانوا يعملون على مدار القرون.فناء البيت الذي يسمى "الحوش" سيمضي إلى السماء بلا سقف، كحال البيوت البغدادية والدمشقية وقصور الإسكندرية، ومساحته تدل على ثراء المالك وإمكاناته التي تتيح له شراء الهواء وبناء الأرضية بالصبان الملطف للحرارة وتحيط هذا الفناء باقي غرف المنزل، بمراعاة عدم وجود إطلالة لغرف النساء لا على الشارع ولا على الرجال الذين يهوون الجلوس في الحوش.هي طريقة منظمة لحبس النساء ورميهن أبعد إلى السطح، ليكن هناك قريبات أكثر من النجوم والأحلام.
موت الجدران
بيوت المحرق تبدأ وتنتهي على الشوارع الفرعية، فلا جدران وأسوار عالية تحميها، البيوت هناك هي الجدران. وهذا الأمر ينطبق فقط على المنازل الصغيرة وليس على البيوت الكبيرة والقصور. ولعل ضيق مساحة الأرض، جعل البنائين يقتصدون في إضافة جدران وباحة ومدخل وممر يؤدي إلى غرف المنزل، وهكذا استغلوا كل شبر في البيت وملأوا كل فراغاته ويمكن للناظر التمعن بالزخرفة والنقوش والأقواس والأطر والألواح المنحوتة كجزء من تصميم البيت الغني التنوع والدلالات بدءا بالمزاليج وامتدادا لأعمال الحفر والتخريم والزجاج الملون الذي يؤدي وظيفتين: تزويق البيت وحجب الرؤية الشاردة.
فلسفة الأبواب
والأبواب مواسم، ورمز البيت فالعابر يتعرف على البيوت من أبوابها، وهي امتياز وحمل متاع ومصب وتلك الأصوات غير المسموعة جيدا، فالأبواب صدى،، وللجواب الذي لا يبرح عنها استذكار للرحلة، والأبواب أماكن سيقول انه كان فيها، ستضيف له يوما على أيامه ومضيا امتلكه، والأبواب مفترق الطرق التي سلكها والميدان. هي عزلته وأوراق ماض تعبر عن فخامته، فيما يصورها كبطاقات قديمة لأسفار ممحوة، تعيش أو تموت، حسب ما تقرره أبعادها وعمقها وأسئلتها: الأبواب. غير أنها أطر محتالة تزين نفسها كعذراء مطمورة المواهب ومصاريع تتسع تهدي النجوم والمطارق والأقفال كما لو كانت مخلوقا من خشب محتشد بالمسامير والألواح الحديدية، إن من صنع مثل هذه الأبواب لابد وأن يفخر في مساء ما بأنه فعل شيئا: أنجز العمل.والأبواب وظائف وأنماط وطبقات، فأبواب الشعوب ليست كأبواب الملوك، إذا، الأبواب سلطة. طراز وهيبة وخصوصية ورموز وقيم وأسلوب ووعي وأزهار ونجوم وخارج نحو الأقدار وداخل إلى الأمان، الأبواب كائنات ماكرة كل منها له إحساسه المستقل وأفاريز أذرعها التي تثير الجدل حول أعمارها. انها الانتظار والمغيب والتلاقي بعد طول ارتحال ونزهة الابتهاج ما أن تصر بغليانها وميوعتها وغنجها ورطوبتها المبتلى بها قلبها الوهاج، تشابك لا ينفصم بينها وصباحاتها الرقطاء وجفاف الأعين المنتظرة من غادرها ولم تبهر إطلالته مقبل الطريق.
مشربيات الأمل
ليست ضد الريح ولم تصنع لخلق السكون، مشربيات المحرق الموصولة وفق طراز 'التلسين'، صدرية البيت وخطو أطيارها. تبدو نقوشها المنساقة ضد الصيف الطويل الخالي من الضلال، وفتحاتها الموجهة للحشمة المنسوجة بخشب نادر موصل مع بعضه يسمح بفراغات للتهوية وليس لرؤية من في الداخل، دور جمالي - اجتماعي، مبني على بديهية أن تطل على الآخرين ولا يطلون عليك، ولعلها واحدة من العلاقة المترابطة ما بين الفقه وهندسة المعمار، فالشبابيك في المحرق تنصاع لفقه 'ضرر الكشف' إلى حد كبير.ومع ذلك، تقوم المشربيات على مبدأ 'غض النظر' وهي محكومة في معادلة مجحفة: ترى ولا يراك أحد، وهي بهذا المعنى تعبر بشكل عميق عن ظاهرة وقعت فيها كل الأجيال التي تلصصت من وراء المشربية: الحب من طرف واحد!
البنية المكررة
بنيت المحرق على ما هو موجود: المواد والمهارة فيها حجر البحر والخشب والمرجان والجص وجذوع النخيل وأعمدة الجندل وتعريشات البامبو الهندي والحصر المثبتة للأسقف وصفائح متنوعة وسعف المنكرور البصري وطين الفخار المحلي المصنوع في الرفاع وملاط الجير (النوره) والجبس والإسمنت السعودي وغيرها من المواد التي منحت بيوت المحرق ثقة البقاء.
أبراج الرياح
وتبين أن تلك الأجيال لم تفهم بالمعمار فحسب، بل في الفيزياء أيضا. لقد فتتوا الهواء وطوعوه وسيروه بالسرعة التي تناسبهم، فتلك البيوت المطلة على مقبل الريح تتحكم بموجات الهواء من الجوف الأوسع مرورا بالمصبات الضيقة ليزيد سرعته وبالاعتماد على الضغط، سينتشر الهواء بعدالة بين مسامات الجدران التي ستتحكم بتقنية ماكرة بالمساحات المفتوحة وبفضل الضغط أيضا، سيحلق الهواء الحار مرتفعا ليطرد خارج الغرف، في الوقت نفسه يستبدل بالهواء البارد الذي لا مناص من جريانه منسابا لليالي البيوت الذكية. تشبه العملية كإعادة بناء للهواء تلعب فيه هندسة الجدران وسمكها ونعومة أسطحها وقابلية المواد المصنوعة منها على امتصاص الحرارة ودرجة الانعكاس وصمودها أمام التشقق وحجم الفراغات التي يتكتل فيها الهواء، عوامل أساسية لأسلوب تهوية يحول القيظ رذاذا منعشا، طيع السلوك فاقدا عناد اللهيب.
استمرار المدينة
أن تتشكل المحرق بهذا الفيض من الاستثناءات، عليها مداراته وتخبئته كحال الكنوز العظيمة، وهي بدون هذا الكنز ستفقد صورتها واسمها وتاريخها. ومثل هذا النوع من المدن، التي تثير علامات التعجب، ستكون معركتها مختلفة مع المعاصرة وهجوم التكنولوجيا وزحف مغريات المدن الحديثة. وهذا لا يتطلب منا كعابرين، المتاجرة في ذكرياتها ولا إذلالها لمجرد أنها أختنا ولا إيقاظها يوميا بصيحات الإعجاب، انها تحتاج إلى حنان التواصل، ربما الماضي يجعلها أقل بهجة، لكن العلاقة ما بين الحياة والأمكنة لا ينبغي أن تخذل ويتطلب الحال المحافظة على عناصرها لكي لا تتحول إلى مدينة في الذاكرة، لأن خيطها السري قد يحافظ عليها كمدينة في الأحلام والسير والحكايات التي رويت ولم يتعقبها أحد. ربما ستستفيق المحرق بعد عشرين أو خمسين عاما، ولا تجد من يتعقبها ولا بخاطر أحد استفاقتها، عندها ستهرب من جديد للحلم الذي بنيت عليه وعندها ستطمر بنسيان لا مفر منه ولا عودة عنه، وستكون خسارتنا جسيمة لو كدسنا جذوتها في محيطات المتاحف التي يصادفها الناس أو يتحاشونها أو تتحول إلى جدول مدرسي لرحلات الصفوف الشاغرة المبرمجين على عدم النسيان. واثقون بأن حلمنا في المحرق له ما يربطه بحقيقتها، حتى لو كانت هذه الصلة ممتدة بسلسلة صدئة لمركب يلوح بقطعته البيضاء الأخيرة، فهي من طراز المدن التي لا يمكن إعادة بنائها، قدرها أنها جوهرة، لا يمكن إعادة صياغتها إلا كما هي عليه وما يحزم من أملنا، إن عودتها ممكنة، بفضائلها وأخطائها، بحدسها ونظامها وبالكلمات التي تصر على أن تحولها مجرد ذكرى لمدينة ترحل في الاحتمالات كلها.