الخميس، 13 مارس 2008

العبور






عبر نهر الخابور في قارب التهريب
البقاء في كردستان لغاية سقوط التمثال


كمن أغمض توقه ليرى نفسه في الحلم ، بدأت فكرة الوصول الى كردستان العراق ، في لحظة بدأ الثلج يتلاشى عن موسكو التي تمدد بها العمر طويلا حيث كان الطريق الى العراق يمضي ولا يؤوب ، كمنحنى نحو الموت الحتمي ، ولكي لا نتحول الى وليمة من أسقط عنا الجنسية والجواز وحرية المشي على تراب الوطن.
لقد كان الوصول الى كردستان بالغ الأهمية لمن يريد الكتابة عما سيؤول إليه مستقبل البلاد وما يجري في حاضرها وماذا فعلوا بماضيها ، والأهم ان العراق كان العين القريرة لكل فكرة ورؤيا ومقتطف فرح ونور وإنشودة واسترجاع حصتنا من صيف طال غيابه.
وبدأت المخاطبات الساخنة مع أصحاب البيت الكردستاني الذين رتبوا خطة محكمة نستطيع بتنفيذها العبور الى كردستان . وتم العبور بطريقة التهريب عن طريق نهر الخابور في ظهيرة يوليو 2001 وكانت النتيجة أكثر مما تحملها الحلم الأول ، فقد قابلنا الزعيمين الكرديين مسعود البرزاني وجلال الطالباني في وقت قياسي وجلسنا مع الأصدقاء قادة الحزب الشيوعي العراقي في شقلاوة وقادة حزب الدعوة الإسلامية في السليمانية وكافة الأحزاب العراقية تقريبا على الساحة الكردستانية ، علمانيين وإسلاميين ، تركمان وعرب وآشوريين، كلهم تقريبا.
كانت أجمل عملية تهريب صحفي الى نهار استهلّ ولادة هذا المنجز الذي نقدم لكم بعض من أوراقه المتفتحة في تلك الأشهر الكردستانية البالغة البهاء.
وتكررت زيارات التهريب الى كردستان وكان آخرها في فبراير 2003 ، أي قبل أسابيع من الحرب التي أطاحت بالنظام العراقي والتي قمنا بتغطيتها من صاروخها الأول ، لغاية هذه اللحظات والتي كما تشير كل المعطيات ، بأنها ليست وشيكة النهاية.
ممضيا الزمن الكافي بين الجبال والأبواب ، الوديان والنوافذ ، المسلحون بكافة أطيافهم ووزراء البناء وبيشمرغة التغني بمسالك الحرب ، مسيرة انبجست موجات من حكايات مصفحة وأصدقاء جدد ليـّنوا صعوبة المهمة باسترخاء جلسات الحدائق والاختباء في مصيف صلاح الدين تارة أو في شقلاوة تارة اخرى من حملة كاتمي الصوت المسربين من بغداد.
لم تكن نزهة في ربوع "شمال العراق" على الإطلاق، بل كانت حزمة من عمل مضن، خطير للغاية، ومشوق الى حد بعيد ، واصلنا فيه الليل مع النهار للظفر بالمعلومة و الصورة المنتقاة، وكانت المرحلة التي لم يتبق للحرب فيها سوى أيام قليلة، أصعبها، لاسيما بعد هجرة الشعب ومغادرته المدن ولجوئه الى الجبال البعيدة خشية من ضربات كيميائية، كان قد ذاقها من النظام في " أنفالات " ومطاحن سابقة.
محزنا التجول في الشوارع الخالية ، إلا من مقاتلين البيشمرغه وبعض الصحفيين ، كما لو كان الفراغ قد هوى على الأزقة والساحات وابتلع سكون عتبات الدور ونشـّف النوافذ من العيون.
رصدنا في تلك الأيام الدخول الأمريكي الأول للأراضي العراقية قبل نشوب الحرب ، وحرب الجواسيس في كردستان ومهارة اهلها في استنشاق دخان المعارك.
سنحكي لكم قصص النهارات الضائعة والمغدورين والأرامل والإبادة الشاملة ومطرقة الدمار، عن الجمال والفرح ولوعة الزمان والفناء والنبع القديم وقطرات الدماء المحفورة على الصخور والغيوم الشبيهة بالقناديل المطفأة وسراج الوطن إن جفت شرايينه.
لتتقبلوا منا لسعة الكلمات القادمة كطفولة تناشد الغفران من كردستان التي أمعن الدهر كثيرا في إيذائها وشطرها وحرقها، توطئة لم يفت أوانها لفتح غلال الذاكرة.

الاثنين، 10 مارس 2008

المؤتمر عراقي والتفتيش أميركي‏



صلاح الدين - موفد "القبس" إلى مؤتمر المعارضة العراقية – د . جمال حسين علي:

لغاية اللحظات التي انعقد فيها مؤتمر المعارضة العراقية في صلاح الدين، جمعت كل المعلومات الخاصة بالتواجد الأميركي في كردستانِ وعرفت أعدادهم ومهامهم وأماكن إقامتهم وعملهم وأهدافهمِ غير أني لم أرهم بأم عيني، لذا لم تستطع عدستي أيضا الوصول إليهمِ وعلى حين غرة، هبطوا علينا كالقدر المحتوم، ولا نعرف هل جاءوا لحماية المعارضين العراقيين أو لحماية أنفسهم أو لحماية المبعوث الأميركي زلماي خليل زاده أو لتحقيق كل المهام المذكورة.ولأن لدينا خبرة كافية في التعامل مع الأميركان، ولعلها الأكثر مرارة وجسارة كانت في أفغانستان، وفي أكثر الأوقات توترا، فقد كنا مهيئين تماما لإجراءات مماثلة، بل قد تكون أكثر تطورا وأقلها قلقا، كون الإخوة في الحزب الديموقراطي الكردستاني أكثر تنظيما بكثير من جماعة تحالف الشمال الأفغاني، ولديهم كل مقومات الدولة ومؤسساتها، ويمتلكون جهازا أمنيا واستخباريا له باع طويل في العمل السري. لكن ما نستطيع التوقف عنده، هو أن الأميركيين أنفسهم تطوروا كثيرا عما كان وضعهم في أفغانستان، ويبدو أن تجربتهم وتعاملهم العريق في كردستان أظهراهم أكثر هدوءا ولطفا مقارنة بما كانوا يبدون عليه في الصحارى والجبال الأفغانيةِ ولعل مهارة الأكراد في إدارة الوضع، ساعدتهم على إزالة التوتر الذي عرفناه عندهمِ ولا يستطيع أحد التكهن بما ستؤول إليه الأوضاع وإمكان احتفاظ الأميركان بصبرهم هذا أوقات الحرب.احتل رجال الأجهزة الأميركية الخاصة الخط الدفاعي الأول قبل الدخول الى قاعة اجتماع المعارضة، وبعد التصفية التي أجراها المنظمون الأكراد لجموع الصحافيين واختيارهم 'النخبة'، فالقاعة صغيرة و 'القضية كبيرة' على حد تعبير كبير المنظمين الأخ فوزيِ وثمة ميكروباص ينقل 'المختارين' الى مبنى المكتبالسياسي حيث ينتظرهم الأميركان.
أول ما قاله الأميركي الظاهر في الصورة 'ساعدوني أساعدكم'، بداية نحسد عليها، إظهار النوايا الحسنة في مثل هذه المواقف، يزيح بعض القلقِ لكن اللين الذي صاحب العبارة المذكورة أزاحته الإجراءات الصارمة التي تلتها.

الكاميرات والأجهزة والحماية

كنت الثالث في الترتيب، ولدي من الجيوب والكاميرات والهواتف ما عقد المهمة أكثر : عليك أن تصور تصويرا حيا في كاميرتك ليشهد عليها المدافع عن المؤتمر، وعليك أن تتصل من هواتفك، لكي تثبت له بأنها غير ملغومة، وكذا الحال بالنسبة للمسجل وغيره من الأجهزة ( هذه الإجراءات دخلت في علوم الحماية بعد اغتيال القائد الأفغاني أحمد شاه مسعود بكاميرا تلفزيونية ملغومة من قبل صحافيين وهميين ). ولسبب ما، تكلم مع أحدهم ونسي إجراءات التفتيش معي، وعندما عاد، أعادها من جديد، ولسوء الحظ تساقط ثلج كثيف في هذه اللحظة التي كان يتفحص فيها كاميرتي الرقمية، الأمر الذي جعلني أتمسك بها، وهو يسحب وأنا أسحب، لأني كنت أخشى من إصابتها بالحالوب المتدفق وإصابتها بعطل لا يمكن تصليحه في هذه اللحظات. وكنت أتذكر الجهود الكبيرة التي أثمرت حصولي على هذه الكاميرا الثمينة.أثار خوفي على الكاميرا شكوكه، ونظر الي ثم تفحص بطاقة اعتمادي ليتأكد في القائمة التي لديه، ولسوء الحظ الثاني كان اسمي مكتوبا بالعربية، هو الوحيد المكتوب كذلك، ربما لأني العربي الوحيد في هذه المعمعة، ولأنه احتار، قلت له: 'تأكد من الرقم والصورة، أعتقد هذا يكفي'.وبالفعل عمل ذلك، واجتزنا معا هذا الموقف الصعب، لا سيما أن الناطق الرسمي باسم المعارضة العراقية هوشيار زيباري ومساعده فوزي الحريري تدخلا بشكل حاسم أفادني الى حد كبير بقولهما له إن هؤلاء مراسلون وصحافيون محترمون دعه يمرِ ولا أملك في هذه المناسبة سوى تقديم عرفاني لهما.
الهواتف تصدح لوحدها
في المرحلة الثانية، جمعوا الهواتف في ظروف خاصة وألقوا بها في زاوية ما قبل الشروع بالدخول، والطريف أن عشرات الهواتف النقالة والفضائية كانت تصدح بموسيقاها بين الحين والآخر مع صرخات ضابط أمن جهاز الدخول والتدافع غير الحميمي بين الزملاء.لاحظنا عند الخروج وزوال الغمة، تجمع مجموعة من الصحافيين أمام الأميركي، وكل يطالبه بشيء أخذه منه، وكانت هذه الأشياء بمجملها سكاكين أو ما يشبهها، وكان المسكين محاصرا منهم، ويخرج من جيوبه السكاكين ويوزعها عليهم، وتساءلت: ما الداعي لجلب هذا العدد من السكاكين في مثل هذا الموقف؟ وبعد مغادرة المهمين، عاد الأميركيون الى وضعهم الطبيعي، وأخذت راحتي معهم في الكلام والمزاح وحتى تبادل لكمات ودية، ووافق أحدهم على أن أقوم بتفتيشه بعد أن طلبت منه بفضول الاطلاع على أجهزته ورؤية بدلته المضادة للرصاص، وربما كانت لدي رغبة في إعادة صاع تفتيشه لي صاعين!

عدستنا ترصد وصول اولى قوافل الإمداد البرية للقوات الأميركية في كردستان




أول صور تخرج من العراق لطلائع القوات الأمريكية التي دخلت قبل شن الغزو بأسابيع


كردستان - د.جمال حسين علي:

أنها عبقرية، هي نتاج مباحثات عسيرة وشاقة في أحرج موقف تمر به واشنطن وهي تخوض حربا شرسة، ولا يمكن للتاريخ الأميركي المعاصر، إلا التوقف كثيرا عند صاحب هذه الفكرة التي توجز وتختصر كل الإشكاليات الحقوقية التي وضعت الحكومتين الأميركية والتركية في عنق زجاجة أغلقت بقوة.
إغاثة فحسب
تستحق الفكرة التي لم تخطر في بال حتى أمكر الماكرين هذه المقدمة، فبعد أن أطال البرلمان التركي ومطط وسحب وجذب، دون أن يعلن عن نيته بالموافقة على تسهيل دخول القوات الأميركية بكل معداتها الى شمال العراق، أرسل الأميركان نحو 7000 من القوات خفيفة الحركة وبنوا منذ لحظة وصولهم قواعد وترتيباتومنافذ وأبواب وكل ما يحتاجه المرء الذي ينوي الإقامة الطويلة في مكان ماِوكانت الخطوة الثانية هي الحاسمة بإعلان باول وغول عن موافقة تركيا على تسهيل إمداد هذه القوات (أي السبعة آلاف) بالمؤن وإمدادات الأغذية والوقود كنوع من أنواع 'الإغاثة' لقوات مهمتها 'البحث والإنقاذ' وكافة المسائل الإنسانية المتعلقة ببلد يخوض حرباِ والمهم أن هذه الديباجة تعد من الناحية الحقوقية ملائمة ومن 'صلاحيات الحكومة' التركية ولا تحتاج حسب صلاحياتها ل 'إغاثة' حليف الى موافقة البرلمان، فالأمر لا يمثل تسهيلات حربية أو دخول مباشر في الحرب، كما ينص عليه الدستور التركي بضرورة مراجعة البرلمان.
دهاة ولكنِ!
غير أن هذه الإمدادات و'الإغاثة' لا بد أن تصل الى كردستان في شاحناتِ وهذه الشاحنات لا بد أن تسير على الطريق ويراها الملايين، لذلك ينبغي أن تكون شاحنات مدنية وسائقوها مدنيين عاديينِ ولكن الفكرة الداهية تكمن في ما تحتويه هذه الشاحنات. فلير العالم الشاحنات العملاقة تعبر 'إبراهيم الخليل'، شيء أكثر من طبيعي تعود عليه السكان وكل أقمار التجسسِ ويمكن لشاحنات طولها 60 قدما أن تعبأ بكل ما يحتاجه الجيش الأميركي: فهل ينبغي انتظار موافقة البرلمان لكي تسير الدبابات على الأرضِ فالذي لا يمكن لطائرات النقل حمله وإنزاله في كردستان، يمكن'تخبئته' في هذه الشاحنات العملاقة المدنية في كل شيء ويمكنها السير وحتى التجول دون أن يعلم أحد ما الذي تحتويه، حتى النقطة النهائية في كردستان حيث تكون بحوزة أصحاب البيت ويعملون بها ما يشاءونِ لكننا كنا هناك، وهذا لم يخطر ببال مبتكر الفكرة.
دعم لوجستي
هو إذن دعم لوجستي وتسهيل دخول القوات العسكرية الأميركية الى شمال العراق بدون موافقة البرلمان، وما حصل أن الدخول ليس عاريا ومكشوفا بل مطليا بغطاء الشاحنات المدنيةِ وبالمناسبة فان من صلاحيات الحكومة التركية تقديم الدعم اللوجستي الى دولة حليفة دون الرجوع الى البرلمانِ لكنهم أضافوا الى 'الدعم اللوجستي' شرطا تركيا، أظهروه كأنه 'طلبا' أميركيا والقاضي بإرسال 'ضباط أتراك مع الشاحنات التركية لأنهم يعرفون شمال العراق جيدا ويساعدون الأميركان في المهمات الإنسانية'!
حياكة القواعد
وكأن الضباط الأميركيون لا يعرفون شمال العراق جيدا وكانوا بحاجة ماسة الى أتراك يدلونهم،، الأميركان الذين سكنوا في كردستان منذ عام 1992 وأحصوا رحلات المدارس وكل طابوق البلاد وعدد أعمدة النور ومصابيحها المطفأة وكم كمبيوترا دخل إليها وكم طن حبوب يستهلكه الشعب، وعدد اللترات التي تهدرهامحركات الإقليم، وأحصوا عدد قطرات المطر التي تنزل في المنطقة، بحاجة الى ضباط أتراك يدلونهم على كردستان،، هل ينبغي تصديق هذا الكلام؟هي قواعد اللعبة التي ينبغي أن تبدأ ما أن تحاك أطرافها بكل الأصابع المعنية : تدخل معداتك العسكرية بغطاء مدني،، سأدخل ضباطي معك تحت نفس الغطاء OK تريد أن تطير وتضرب جارنا بطائراتك، قم بتصليح كل شيء، طرقنا وقواعدنا ومطاراتك وصحح أجواءنا وعدل طقسنا ولا تدع هؤلاء يقضوا مضاجع أمننا في الجنوب بفدرالية أو دولة أو حكم ذاتي، لا تجعلهم يذوقوا قطرة نفط لا من كركوك ولا من البصرة ولا من العزير أو من مجنون أو عاقل!
اختراق
ما قمنا به اختراق حقيقي للخطة الأميركية - التركية بكل ما تعنيه هذه الكلمةِ وكما هم يؤدون عملهم، نقوم أيضا بشغلنا ولو لم نقم نحن بذلك، فسيقوم به غيرنا آجلا، فلماذا لا نفعلها عاجلا ؟كنا إذن نتتبع رحلة الشاحنات بواسطة سيارة أجرة عادية، كي لا تثير القافلة، إلى أن حطت رحالها في مدخل أربيل وعند مطعم هولير الأكبر والأشهر في عاصمة كردستان (حاليا)! طبعا هذه المواضيع لابد أن تكون مدعومة بالصور وإلا فلا جدوى منها وتعد إشاعة كالكثيرات التي سلطنا الضوء عليها ويمارسها الصحافيون في كردستانِ فما العمل؟ وكيف نصور إنزال المعدات؟يجدر القول أن الجنود الأميركيين كانوا منشغلين في مسألة أهم من الاحتياطات الأمنية وهذا شيء غريب لم نعهده بهمِ كانوا منشغلين فيزيائيا فقط بإنزال الشحنات أو تفريغ الشاحنات وتركوا ثلاثة أو خمسة يراقبون ويحمون ظهورهم فقطِ هذا عدد غير كاف قياسا إلى المكان المفتوح الذي كانوا يعملون به، غير أن قوات من البيشمركه كانت تطوق المكان وتحرسهم أيضا، ولعل إحاطتهم بالبيشمركه وإحساسهم أنهم على 'أرض صديقة' أعطتهم اطمئنانا كافيا.
تسلل
لم تكن صورنا بفضل الزوم ومن بعيد، بل تسلقنا الشاحنات ودخلنا فيها ووصل الأمر الى أننا شاركنا عمليا في الحرب ضد النظام العراقي بمساعدتنا الجسدية لهم في إنزال أغراضهم في حالات كان لابد من تقديم المساعدة لارتباك بسيط أو تعثر أو انزلاقِ مبادرتنا ساعدت في إضفاء جو من المودة، بل أكثر من ذلك تبادلنا الهواتف واتفقت معهم على أن نلتقي في أقرب وقت.
الكاميرا المنقذة
ولعبت كاميرتنا الرقمية دورها، فما أن استوقفني العريف الأسمر الظاهر في الصورة وطلب كأي عسكري منا مغادرة المكان حالا، وكانت استجابتنا طرش وبكم كالعادة، طلب أوراقنا الثبوتية، قدمت له هوية الجريدة ومعها بطاقة بأننا مشاركون في المعارضة العراقية عملناها في وقت سابقِ كل هذا لم يقنعه، لكنه نظر الى الكاميرا وقال:- تشبه كاميرتي التي اشتريتها قبل مجيئي الى هنا.- آهِِ موديلها حديث.- كيف تعمل؟ لم أجربها حتى الآن.- ممتازةِ سأريك بعض اللقطاتِ.. لكنك لا تسمح لي بالتصوير.كانت فرصة لئيمة لالتقاط بعض الصور حتى يتأكد بأن الكاميرا التي تشبه كاميرته تعمل جيدا، وبالتدريج تراخى وأسدل الستار على رفضه القاطع لوجوديِ وبعد لحظات كنت أساعدهم كما ذكرت. مر الوقت واقترب مني الأسمر وقال إنه يحتاج الى بطاريات لأنه نسي أن يجلب معه (بطارياتها خاصة ونادرة) ِ قلت له إني سأرسل سائقي الآن وسيجلب لك ما تريد. قال: اترك رقم هاتفك وسأتصل بك غدا لأني أحتاج أن تعلمني عليها وتعطيني برنامجها مع الكمبيوتر لأني لم أجلب معي الكاتلوك والسي دي الخاص بها. هكذا اتفقنا على اللقاء بعد أن أعطاني عنوان ثكنته وتبين أنهم قريبون من مكان إقامتي أيضا. ولكي أصور الحدث المهم قلت له، طالما أننا سنلتقي دعني التقط بعض الصور لك ولزملائك وسأجلبها لك. هو من ناحيته وافق وأنا من جانبي أكملت مهمتي على أحسن وجه!

حرب الجواسيس بين الولايات المتحدة وتركيا والعراق والأكراد





صور نادرة التقطها المدوّن لأول مرة كشفت التواجد الأمريكي الاستخباري في كردستان أوقات النظام


كردستان – د.جمال حسين علي:

لأن كردستان لم تكن يوما غريبة عن الأجهزة الخاصة في الولايات المتحدة وتركيا والعراق، فان 'ساحة العمل' فيها جلية لمن يرغب ولمن يرى أن ذلك ضروري له في المكان والزمان اللذين يحددهما، أما الأكراد، فيراقبون اللعبة وتطورها، ليس لأنهم بلا حول ولا قوة 'الأخوة الأعداء' فحسب، بل لأنهمأيضا يخيطون لعبتهم بالطريقة التي يرونها تلبي مصالحهمِ وبعد رسم المنطقة الآمنة شمال خط 36، تحولت كردستان الى منطقة حيوية للاهتمامات الاميركية والتركية على السواء، لا سيما وأن الطرفين اتفقا رسميا على التعاون في هذا الشأن.
الرعيل الأول: إنساني
وكانت موافقة العراق على تنفيذ القرار 986، مجالا رحبا لافتتاح نحو 500 منظمة دولية مهمتها تنفيذ برنامج 'النفط مقابل الغذاء' في كردستان، الأمر الذي أدى الى أن يفتح الإقليم مصراعيه لهم، وكانوا فعلا يتحكمون في مصير الشعب ووضعه الغذائي والصحي وغير ذلك من مجالات الحياة. ولا يشك أي مسؤول من الذين تحدثنا معهم في الإقليم، في وجود عناصر استخبارية للدول المعنية في كلالمنظمات المذكورة التي لا يخلو شارع منها في مراكز المدن وضواحيها. وفي الوقت نفسه، لا يوجد لدى الأكراد ما يخفونه عنهم، طالما أن الجميع متمسك بقواعد اللعبة ولا يوجد من يتجرأ ويضرب تحت الحزام أو يتمادى في جمع المعلومات، التي كان الأكراد بدورهم يتحكمون بها، أي يعطونهم المعلومات التي يريدون أن تصل إليهم.
مرحلة جديدة
استمر الوضع هكذا والجميع راضون بما أنعم الله عليهم من قاعدة متوازنة للتعاون المتبادل، لغاية اليوم الذي قررت فيه الإدارة الاميركية الاستعداد لتغيير النظام العراقيِ عندها تغيرت 'القاعدة المتوازنة' لأنها لا تتواءم مع الظروف الموضوعية لبلد يستعد لشن حرب واسعة النطاق، وكان على الاميركان أن يزيدوا ليس من تواجدهم فحسب، بل في تنويعه ايضا، اعتمادا على تنوع المهام وتعقيدها. والمهام بدورها كانت تتطور يوميا، وتحتاج الى خبراء وأجهزة، والمزيد منهمِ وكانت كل حلقة تكتمل، تعطي المجال للحلقة الأخرى، بمعنى أن الخبراء أنفسهم كانوا يتبدلون باستمرار، وفقا لطبيعة المهام. واننا إذ نجد أنفسنا أمام رقعة متداخلة ومتشابكة وفائقة التعقيد وتتطلب أساليب أخرى للعمل الصحفي، تقتصر على الدراية والحكم المسبق وتطور التكنولوجيا الإعلامية والحصول على المعلومة من هنا أو هناك، وفي ظل توسع رقعة الشطرنج الكبرى، فقد أجبرنا الموضوع بحد ذاته، على ترسيخ كافة الإمكاناتوالوسائل وقراءة حتى الأنفاس و'بحلقة' العيون لكي نتوصل إلى ما توصلنا إليه بالأعداد والأماكن وطبيعة المهام، لافتين الانتباه الى أنه في أي عمل محترف، لابد من اختيار القاعدة الذهبية التي اخترعناها والمنحصرة في عدم ذكر كل شيء دفعة واحدةِ والثانية هي أن ليس كل ما تعرفه يمكن كتابته، فلكل شيء أوانه.
الرعيل الثاني: صحافيون - 1
وصلت بعثة 'تلفزيونية' اميركية كبيرة الى كردستانِ في البداية كانت محطتهم في السليمانية ومن ثم قرروا الاستقرار في أربيلِ وكانوا في الإقليم يسمونهم جماعة السي إن إن، بالرغم من اعتقاد البعض بأن الشبكة التلفزيونية الاميركية المعروفة لا يمكنها أن ترسل هذا العدد الكبير من الصحافيين في منطقة كانت هادئة وغير مثمرة أو مفيدة من وجهة النظر الإعلامية. وحتى عندما قيل لجلال الطالباني أمين عام الاتحاد الوطني الكردستاني إن هؤلاء جواسيس، لم ينف، وقال ان لكل دولة اهتمامات مماثلة، وأشار الى أنه لا يستبعد وجود عدد من الجواسيس بينهمِ وفي رأيه أن هذه المسألة طبيعية وتستخدمها كل الدول. استقرت البعثة الاميركية في فندق هورمانِ كنا قد نزلنا في هذا الفندق ونعتقد بأنه الأفضل في أربيل: هادئ ومرتب وفيه كل ما يحتاجه المرء وتحيطه حماية جيدةِتحاورت مع أحد أصحاب 'هورمان' في هذا الأمر، وتبين بأنهم حجزوا الفندق برمته لغاية 15 أبريل (2003) ، مقابل 10 آلاف دولار شهرياِ وحسب قول محاورنا، يعد هذا المبلغ زهيدا قياسا لوضع الفندق وكما قال: كنت أربح يوميا ألف دولار من المطعم فقطِ وعندما سألته: ما الذي دعاك إذن لمنحه ل السي إن إن؟ كانت إجابته تشير الى أن القرار لم يكن يتوقف عليه. وعلاوة على ذلك، حاول الأكراد دس عناصرهم مع البعثة الاميركية التي وافقت في البداية، وكان هؤلاء أما مترجمين أو سواقا أو مرافقين، كما جرت أعراف مراقبة المضيف للضيف في المناطق الساخنةِ ومع مرور وقت قصير، سرحت البعثة الاميركية هؤلاء تدريجيا، لتتفرغ على الأرجح لمهمتها.ولابد من الإشارة الى أن موعد 15 أبريل لم يأت بالصدفة هو الآخر، فحسب الرؤية السريعة لهذا الموعد، سيكون 'هورمان' فندقا عاديا من الدرجة الثالثة واقع في العراق، بالنسبة لاميركان لا ينوون البقاء طويلا في كردستان.
الرعيل الثالث: تركي
وغير بعيد عن 'هورمان' هناك القلعة العسكرية التي تمركز فيها الأتراك بعد الاقتتال بين الحزبين الكرديين المعروفين، والاتفاق الذي تم في أنقرة بين الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا ونتج عنه تشكيل قوات مراقبة وقف إطلاق النار 'بي أم أف ' التي ضمت 90 % من قوامها من التركمان التابعين للجبهة التركمانية.ولكن الاقتتال توقف، بل أن الحزبين شكلا قيادة سياسية مشتركة وزعيماهما (البرازاني والطالباني) عضوان رئيسيان في قيادة المعارضة الرئيسية المنتخبة مؤخراِ فهل يوجد داع لوجود القلعة التركية وسط أربيل؟ طلبت حكومة الإقليم من العسكريين الأتراك (ومنهم جنرالات) إغلاق هذا المعسكر ومغادرة كردستان، غير أن مطالب الكرد لم تجد آذانا صاغية من الأتراك ولا تزال نشاطاتهم علنية ولا يخشون أحدا.
الخروج عن قواعد اللعبة
لم يعجب الأتراك، التواجد الاميركي المباشر في مركز أربيلِ وعلى طريقة الموساد التقليدية، فضلت دق أسفين بين الأكراد والاميركان وضرب أكثر من عصفور بحجر واحد وبواسطة الأسلوب التقليدي نفسه: بيد الرتل الخامس!توضح ذلك بعد أن ألقت الاستخبارات الكردية القبض على مجموعة من الأشخاص أطلقت عليهم 'شبكة إرهابية'، كانت تنوي القيام بعدد من التفجيرات في أربيل.. والأهم في الموضوع كله، أن زعيم 'الشبكة' كان عبد الأمير عزت المسؤول العسكري للجبهة التركمانية!هل جرى الأمر كله بالصدفة وبدون علم الأتراك؟لا يوجد عاقل واحد يمكنه استبعاد التدخل التركي في العملية!ومما يعقد الأمر، أن عبد الأمير عزت، حسب مصادر كردية خاصة، ضابط في المخابرات العراقية !!يبدو أن أمام المحققين الاكراد قضية متشابكة جداِ ولم يكن أمامهم من خيار سوى اعتراف عزت بما جاء أعلاه أمام شهود اميركيين (طالما يجري الحديث عن نوايا تعرض البعثة الاميركية لهجوم مسلح)ِ ورحب الأكراد بأي موفد من تركيا لسماع اعتراف أعضاء 'الشبكة'، بل وأهدوا المخابرات التركية نسخة من شريط فيديو سجلت فيه الاعترافات كاملة. ومع كل هذه الإجراءات، تطالب تركيا القيادة الكردية بالإفراج الفوري عن عزت وجماعته، ومن المرجح أن يبقى الأمر معلقا ومتروكا للظروف.
الرعيل الرابع: الفنيون
في صباح شتوي، قطع الطريق المؤدي الى مطار حرير نحو ست ساعات، وأخليت جوانب الطريق المتعرج والملتوي من أي متطفل، ليمر عبره عدد من الشاحنات الاميركية الكبيرة. كان مطار حرير مهبطا بنته القوات العراقية أبان حربها مع إيران لاستقبال مختلف الطائرات الحربية. ولكن الاميركان لم يستقروا في المطار الذي سنتحدث عنه في مناسبة أخرى، بل 'احتلوا' قمة جبل كورك المطل على مطار حرير.لدى استطلاعنا لقمة الجبل وسؤالنا عن طبيعتها، تبين أنها قمة الجبل الوحيدة في كردستان الفسيحة وغير المدببة وغير الوعرة، وهي مسطحة بحيث يمكنها استقبال أي نوع من المروحيات.هكذا يعرف الاميركان كردستان وطبيعتها جيدا، واختيارهم قمة كورك، لا يترك مجالا للشك، في أنهم دائما يختارون الأفضل والأكثر جدوى لهم، وغير مستعدين لهدر الوقت بسماع نصائح وعروض أهل البيت.ويطرح السؤال: ما الذي يفعله الاميركان في كورك؟لا أحد يعرف غيرهم ما الذي يفعلونه هناك، ويبقى الجواب منحصرا في التكهنات التي تنحصر في إعداده كمهبط للمروحيات وبناء مركز للإنذار المبكر يغطي المنطقة كلها حتى أذربيجانِ ويقودنا للاستنتاج الأخير، طبيعة الأجهزة التي حملها الاميركان الى قمة الجبل، بالإضافة الى عدم سماحهم لأي شخص بالوصولالى المنطقة مهما كانت منزلته وأهميته، ناهيك عن التكتم الشديد الذي أحاطوا به تنفيذ عملياتهم هناك.
الرعيل الخامس: مدنيون
بعد الجدل الذي أثار وصول بعثتهم واستقرارها في مركز أربيل ومحاولة التفجير الفاشلة التي كاد يتعرض لها فندق 'هورمان'، فضل الاميركان تغيير تكتيكهم بالابتعاد عن المناطق العامة، لا سيما أربيل الغاصة بكل أنواع الجواسيس والصحافيين والمعارضين والسياسيينِِ عيون تلاحقك من كل الجهات ولا تترك لك فرصة التقاط نفس واحد دون أن يحسبوه عليك! لذلك انحدرت حافلات اميركية كبيرة هذه المرة بعد هبوط الظلام نحو مصيف شقلاوة الذي يبعد عن أربيل. وهكذا استقر نحو 150 اميركيا مدنيا 'سيماهم في وجوههم' في فندق 'هاورغا سفين'، وأعادوا أسلوب 'هورمان' بتأجيرهم كل ما في الفندق وتسريح من لا يحتاجون إليه من العاملين.اختيارهم شقلاوة كان موفقا هذه المرة، ليس لأنها بعيدة عن الأعين التي ذكرناها فحسب، بل لأنها هادئة وكل غريب يسير فيها يعرف حالا، زد على ذلك فهي مصيف جميل يشجع المزاج على تناول العمل المعقد بفعالية. أما طبيعة مهامهم، فلا يمكن لأحد التجرؤ وذكرها بالتفصيل، غير أن وجودهم هناك، طبيعته وطبيعتهم، لا يترك الفرصة لاحتسابهم على أصحاب المهام الخاصة، وكذا الأمر بالنسبة للاميركان الموجودين في مصيف صلاح الدين، فأغلبهم قادة في المخابرات والجيش مع ثلة من فريقهم وحمايتهم.هذا هو التواجد الاميركي في كردستان من ألفه الى يائه، حتى الساعة وغير صحيح ما تتناقله الأنباء عن وجود قوات نظاميةِ لكن ذلك لا يعني أبدا ان يتغير الأمر في أية لحظة.
الرعيل السادس: صحافيون - 2
لم تستسلم تركيا بعد فشل عملية 'هورمان' خاصة بعد وصول حافلات الاميركان وانتشارهم في شقلاوة، فقد نسجت المخابرات التركية سيناريو واثقا ومحكما بما فيه الكفاية بدفع 5 باصات كبيرة نحو كردستان صاحبتها معركة دبلوماسية - إعلامية بينها وبين الكرد، حيث ادعت تركيا أن الحزب الديمقراطي الكردستانييمنع دخول الصحافيين، فيما أجاب الحزب المذكور فورا في بيان عام بأنه لا يمانع من استقبالهم، وبعد اعتصام الباصات الخمس عند الحدود، ظهرت في ليل صلاح الدين وأربيل دون أن يستطيع أحد منعها وغزا ركابها 'الصحافيون' كل فنادق أربيل.غير أن أطرف ما في هذه اللعبة التي تصلح للسينما، أن باصين استقر بهما المقام في شقلاوة، في شقلاوة وليس غيرها، أي أن الأتراك دفعوا الى شقلاوة العدد نفسه من الباصات التي دفع بها الاميركانِِ نرى أن الأمر لا يحتاج الى تعليق هذه المرة
!

أمتار تفصل بين الحرب


من يدق حديد الجسر أولا؟‏


كردستان – د.جمال حسين علي:

قد تمضي بك الحياة سنوات طوالا عند الأرض التي يشقها نهر الزاب الأعلى، دون أن تشعر بالملل أو الضجر، فعبق الطبيعة فواح، لا سيما عند ملامسة ذبذبة مطر لا يريد أن ينقطع. غير أن ما لا يقبل الجدل، أن جمال هذه البقعة تهينه ربايا الجنود وتكرار أكياس الرمل التي لا تحمي حتى من المطر ،فمسيل الزاب، تطواف احتفالي يأخذ بأثواب الريح، من بين جبال ووديان وأشرطة سهول، ينساب بلا مبالاة، دون أن يعلم، بأنه أصبح بلا مجد، الخط الفاصل بين الأخوة المنقسمين.
أزهرت لغة الحديد
هو الشريط الحدودي الذي حددته الطبيعة للمناطق الآمنةِ وحتى الجسر الحديدي الذي لم يتوقع من أنشأه، ظهوره في هذا الربيع الخجول ومسحوق الفتنة، في كل الشاشات والصحف. يمتد الجسر بتواضع أعلى الزاب الأعلى، فاصلا كنقطة هلامية، بين القوات الكردية والحكومية. وللجسر حكايات ستروى في مذكرات الحرب، وأهمها، تلك اللغة التي اكتشفها المنتشران بين طرفيه، فتأتي لهم لحظات، ربما بسبب لوعة الوحدة حينا، ومرارة المواجهة غير المحببة لهم، لجوعها للتبرير، الى طرق حديد الجسر، كل في طرفه ِِ فماذا كانوا يتحدثون؟أهو مزاح من يريد العبور؟أيكن رسائل مشفرة تعبر عن شجون الجسر الفاصل؟هل يسبون بعضهم ام ثمرة تحد لمعركة مفروضة عليهم؟ لكن مهما قيل عن جسر خابات، فهو قد دخل موسوعة الحرب، وقد يكون الجسر المؤدي الى الحياة بالنسبة للجنود العراقيين وللحرية بالنسبة للكرد.
بين القرى النازحة
في الجانب 'العراقي' من الزاب وقبل أن تولد الجبال المطلة على النهر، في تلك الفسحة الساحرة، التي لو امتلكها ثري سويسري لحولها الى جنة الله على الأرض، تمتد قرية خابات، هي حتى ليست بالقرية، بل أكواخ فقيرة جدا، فهل يعيش فيها الناس في زرائب، أم الحيوانات في البيوت، لا فرق، فمثل هذا السؤال، غيرشعبي إطلاقا. ولأن الجبل المطل على القرية المسكينة مزروع بربايا الجيش العراقي، والشيء نفسه في الجانب المقابل للنهر، حيث ربايا البيشمرغه، فقد قررت القرية الرحيل من هذا المكان الذي قد يتحول في أية لحظة الى الخط الأول لمعركة عالمية. يجدر التوقف عند لوحة إنسانية الى حد بعيدِ فقد تعود أهل القرية الكردية العطف على الجنود العراقيين، إطعامهم، منحهم بعض الخبز الحار، أو خضار وفواكه مما يزرعون،، رشفة حليب أو لبن وغيرها من أساليب تعايش معها الأضداد. وروى لنا أحد البيشمرغه، بأنه رأى بعينيه، كيف توسل الجنود العراقيون بأهل القرية طالبين منهم عدم النزوح وتركهم وحيدين في الرباياِ ليس من أجل الخبز أو اللبن، بل لأن الجنود كانوا يخططون للهرب واللجوء الى القرية ما أن تشتعل الجبهة الشمالية. وعندما لم يثمر رجاؤهم بإبقاء السكان، عادوا ليستأنفوا لغة الحديد مع غرمائهم.
فتق الوحش
أما المعبر الثاني الذي يتواجه به الكرد والجيش العراقي فهو معبر كلك، المولود بفعل فتق جبلي وسعته البلدوزرات ليصبح مخيما ببعض الغرف المبنية من البلوك الاسمنتي وعارضة حديدية تنتصب وسطها العبارة الأكثر شؤما لأي سائق: قف!وعلى خلاف، معبر خابات، لا توجد مودة أو لغة مشتركة بين الخندقينِ ليس بسبب خلاف عقائدي أو مبدئي، بل لأن قائد القوة العراقية المواجهة، هو واحد من أشرس وأقبح الضباط الذين حملوا هذه الرتبة في الجيش العراقي والمعروف أكثر من صدام في هذه المنطقة باسم عبد الله الوحش.وهذا واحد من المصائب الكثيرة التي حملها الدهر على الشعب العراقي، فهو مقدم مسؤول عن القوات والسيطرات المشرفة على المنطقة ويمتلك من القسوة التي يحسدها عليه علي الكيماويِ ولطالما عذب الناس في الجزء الذي يسيطر عليه ويروون حكايات عن بشاعته لا مجال هنا للتوقف عندها. وبسبب الوحش على الأرجح، انقطع حبل الصلات بين الجانبين، أو على الأقل، كتلك الصلات العلنية التي يشعر بها من يزور معبر خابات ولو على السريع. ويتوقع البيشمرغه في المنطقة المقابلة لجبهة الوحش، أن يقوم الجنود العراقيون بأنفسهم الاقتصاص منه،وإذا لم يفعلوا فللبيشمرغه ثارات ليست قليلة معه.
كل شيء هادئ
تاليا، فمعايشة يوم في الجبهة الشمالية، تدل على أن كل شيء هادئ فيها حتى الآنِولعل هذا الهدوء، هو الذي يخيف أكثر وهو سبب خلو المنطقة من أي كائن حي، عدا المبتلين بالواجب

في مطارات كردستان


لماذا لا تنزل القوات الأميركية. في كردستان مباشرة دون المرور في تركيا؟
المطارات يمكنها استقبال أكبر الطائرات الحربية الأميركية وبلا مقابل


كردستان - د. جمال حسين علي:


عندما تجد أربيل خلف ظهرك وتكون بمقابلة عين كاوة، انحرف يسارا نحو الحقول الشاسعة، ليس لتذكر الخضرة الممتدة نحو انحدار الشمس، بل لرسم صورة المدرج الممتد حسب المواصفات العالمية، في ضواحي المدينة التي يسكنها الدوليون أكثر من المحليينِ تنحدر الأرض بسخاء السهول ممسكة في مذبح الإقليم المحروم من البحر وأي اتصال خارجيِ هي ذي السماء إذن تفتح ذراعيها للذي يأتي ولا يأتيِلم يكن النظام العراقي الذي شق هذا المدرج الطويل في مطار عين كاوة العسكري الذي كان يستقبل يومياربع القوة الجوية العراقية، يتوقع أنه في يوم ما، لربيع متدفق بالأعاجيب والمفاجئات، أن تسرح فيهطائرات غريبة التصنيف، لتوقظ آخر النائمين في البلدة المنسية، والأكثر سلاما، والمتحدة الآذانوالأجراس.
جولة ليست حرة
الطريق مقطوع، ما ان تخالف قدماك خطوات الجميع انحدارا نحو تخوم السهول المريبةِ ثمة حراسات تواصل الليل بالنهار، وأعين تغلف الأعينِ لكن الوضع سيختلف بالمرة، عندما يكون تجوالك في المطارات التي يمكن أن يقدر لها تغيير التكتيك المرسوم، برفقة نائب محافظ أربيل. رحلة سلسة بدأت بتحديق نسوة يشرعن بالبكاء، أو أخريات خرجن من الصلاة توا ويحملن حمرة خجل عروس نضرة.مرتاعا، بين تلك النظرات، والتعطش لرؤية آخر المطارات المحترمة، تلقفك المدرج الذي مده حظه العاثر لرسم الصورة الأخيرة للطاووسِ بين هذا الرقم وذاك، وخلال تفحص الذاكرة وعصرها، لم نستقر مع رفيقي على رقم محدد لطول المطارِ اقترحت أن نقيسه بنفسناِ وهكذا انطلقنا من المتر الأول حتى الأخير لنترك عداد السيارة يؤشر لنا بالرقم المطلوب حتى تأكدنا من أن طوله 2800 مترا وعرضه نحو 50 مترا، فهو يمتلك المواصفات المطلوبة لهبوط أكبر الطائرات الحربية الأميركية وغيرها ويصلح لاستقبال طائرات النقل الضخمة، وثمة مدارج فرعية لاستقرار طائرات أخرى. ما يحتاجه، عدد من بروجكترات الإضاءة، وتنظيف على السريع وبعض الكابينات المنقولة وعدد من سياراتالجيب العجيبة التي تحتوي على آخر صيحات الاتصالات.
استطلاع تركي
في غضون فحصنا وقياسنا للمطار، اخترقت السهول ثلاث سيارات جيب تابعة لقوات 'حفظ السلام' التركية. استطعنا تصويرها بالقدر الذي سمحت به العدسةِ لكن الأهم مما رأته العين وسجلته العدسة، السؤال المقبول: ما الذي يفعله الأتراك في مطار عين كاوة ؟هي عملية استطلاع ضرورية لدراسة وضع المطارات في كردستان ومعرفة صلاحيتها والظروف المحيطة بها، وهل أن الأكراد جهزوها لاستقبال الطائرات الأميركية، وما الذي تحتاجه هذه المطارات لاستقبال الطائرات الأميركية وهل يمكن استغلالها لاستقبال طائرات تركية، فيما لو قررت تركيا الدخول في كردستان، وكم من الوقت يحتاجه الأكراد لصيانتها وإعدادها، وهل توجد مؤشرات على أن الولايات المتحدة تبحث عن البديل وليس في نيتها انتظار موافقة البرلمان التركي للسماح بدخول قواتها الأراضي العراقية عن طريق تركيا، وما هي فرص نجاح هذه المطارات في التعويض عن القواعد الأميركية في تركيا الآن وفي الوقت الذي ستصبح فيه أميركا صاحبة البيت في العراق ِِ؟هذه الأسئلة وغيرها، كان يحملها الذين تقلهم سيارات الجيب الموضحة في الصورة، وكان لابد من الإجابة عليها فوراِ وبغير ذلك، ما الذي يمكن أن تفعله قوات لحفظ السلام في مطار منطقة ذات سيادة تريد حفظ السلام فيها؟
بعيدا في حرير
ومع تعاظم أكداس متماثلة من الجبال تحتفظ بالقدر نفسه من الصفاء والغموض، يختصر نزوتها وتعاليها سهل حرير، ذلك المكان الذي اختاره العراقيون ليكون مطارا قريبا من الجبهة مع إيران في مناطق بنجوين وحاج عمران وعمقا نحو ديزفول. تطل على مطار حرير أغرب قمة جبل في العالم هي قمة كورك المسطحة والتي تحولت الى مهبط للمروحيات. في هذه اللحظات يسكن الأميركان هناك، ثلوج كليمنجارو أخرى يخطها أميركي تجاوز الخمسين، ليصنع من الاكتساح غير الودي للرياح الباردة، ملاجئ ومراكز إنذار، قد تلعب الآن وليس غدا، دورها في تنظيف البلاد من الطغاة. من قمة كورك سيطلون على بغداد ليجعل عدد من الغرباء والزائرين الوقتيين الموت أهون بكثير من الحياة للذي تصور أنه ملك الطقس والرياح والقمرِيمتد مدرج مطار حرير بطول قدره 2600 مترا وعرض لا يتجاوز 40 مترا، وهو كاف بدوره لهبوط أو تحليق عتاة الطائرات الحديثة والثقيلة. وعمل الأميركان به أكثر مما فعلوا بمطار عين كاوة، ربما لأنه بعيد عن الأحياء السكنية، ولأن المطار الأخير لا يحتاج الى أكثر من يومين للعمل المتواصل ليخرج بهيا.
مطار بامرني
أسسه العراقيون ليشرف على السن الذي يربط العراق بتركيا وإيرانِ وكان المهندسون العراقيون على حق تماما، فمكانه استراتيجي، وشكله محلي. لم يشأ العراقيون منحه أكثر مما تستحق الضرورة، ولأن الجبهة الإيرانية كانت الأكثر كسلا في تلك المنطقة وتركيا صديقة ولعلها حليفة في تلك الحرب، فقد صممه العراقيون ك 'مطار جيب' لتأدية مهام طوارئ ليست مهام عسكرية - استراتيجيةِولأنه قريب على الأتراك ويفيدهم لتعقب مقاتلي حزب العمال الكردستاني، فقد أحاطوه منذ تلك الليلة الموحشة الأولى التي جربوا حظهم للمرة الأولى باجتياح أراضي الجيران المشاكسين، وبقوا فيه بشكل نسبيِ وهو من الناحية العسكرية ساقط بيدهم، ولكن الأكراد ما زالوا يسيطرون عليه، ولا يعتقد عسكري
ضليع بأهميته للقوات الأميركية ، وينطبق الأمر نفسه على مطار السلام في السليمانية.
لماذا لا يأتون؟
بعد هذا الاستعراض الموجز، لابد من التساؤل عن دوافع الضجة القائمة الآن والخاصة بدخول القوات الأميركية عن طريق تركيا، وتحفظها عن الدخول مباشرة في كردستان التي تفتح أراضيها لهم وبكامل الحرية والتسهيلات وبسعر أقل بكثير جدا من التعريفة التركية. ولكي نتجاوز المسائل الخاصة بالعلاقات التركية - الكردية لتعقديها الشديد بالرغم من أنها تلعب دورا قد يكون حاسما في رسم الموقف الأميركي من السؤال المطروح أعلاه، لابد من التوقف كما فعلنا في المسائل الفنية، وطرح الجانب السياسي - الاستراتيجي في الموقف الأميركيِ باختصار، وحسب خبراء في هذا المجال، تحتاج الولايات المتحدة الى تركيا ليس كونها مهبطا لطائراتها فقط، بل تحتاج لكل عمقها السياسي والاستراتيجي في التحالف الدولي الذي تطمح في تشكيله لمواجهة النظام العراقي وربما أنظمة لاحقة. وتحتاج دورها في رسم صورة 'عراق المستقبل' كما يسمونه وتحتاج تحالفها كدولة مسلمة وحليفة في الناتووشريكة استراتيجية لإسرائيلِ والولايات المتحدة 'أم التوازنات الاستراتيجية' كما علمتنا الدروس الماضية وتدرك أن شنها حربا فيها بعض الغموض الكريه بدون تركيا، ستصاحبه مشاكل جيوبوليتيكية وتعبوية لا حصر لها، نتركها لمحللين أقدر منا لتعقبها.

الأحد، 9 مارس 2008

‏هل تستطيع كردستان الدفاع عن نفسها؟





كردستان – د.جمال حسين علي:

في منطقة انسابت فيها الدماء والدموع أكثر من الجداول وتساقطت عليها شتى أنواع القذائف أكثر من حبات المطر، لابد أن يكون تقويمها مرتبطا بصحائف من خطوا أحداثها وأن يفتتح تلمسها بالسؤال المصيري المحدد بكلمة ليست وجدانية بالمرة وذات استخدام مزدوج هي: الدفاع! وهل في المستطاع تفقد طلاسمها دون تقدم مصطلح هو الأكثر قدرة على تمثيل من قاموا بحماية هذه الأرض: البشمرغه؟منذ أن سلم القاضي محمد رئيس أو لجمهورية كردستانية، لم تعمر في مهاباد أكثر من سنة عام 1946، علم كردستان الى الفدائي الأول لأكراد العراق الملا مصطفى البرزاني وانسحابه الأسطوري مع رفاقه الى العراق ومنه الى تركيا وعبوره الملحمي نهر آراس واستقراره في الاتحاد السوفيتي، ظهرت النواة الأولى للفدائيين الرواد في حركة التحرر الكردية الذين عرفوا للعالم أجمع مع اندلاع ثورة سبتمبر الكردية في العراق عام 1961 بالتسمية الأكثر شعبية هنا: البشمرغه. يتذكر حميد أفندي رفيق البرزاني ووزير البشمرغه حاليا تلك السنوات مرورا بمعارك ديانا وزوزك وبارزان وباكورد والسليمانيةِ وتوقف ليقول: كثيرة جدا المعارك التي خضناها لا يمكن حتى عدها ولكني ذكرت لك القوية منها. وعن التشكيلات المسلحة التي تسميها السلطات العراقية 'الفرسان' فيما يطلق عليهم غرماؤهم البشمرغه تسمية 'الجحوش' قال إن تأسيسهم ترافق مع ظهور البشمرغه وأشرفت عليهم الحكومات العراقية المتعاقبة، وأشار إلى انهم لا يحملون أي مبادئ، وساعد 'الأغوات' في تشكيلهم لحماية مصالحهم التجارية والمادية. علما أن 'الأغوات' من الأكراد الأصليينِ وكانت القوات العراقية النظامية تدفع بهم في المقدمة خلال كل المعارك تقريبا مع تشكيلات البشمرغه. غير أن حميد أفندي يؤكد أن الثوار كانوا أقوى دائما وسجلوا الانتصار تلو الانتصار عليهم، فثمة فرق، برأي وزير البشمرغه، بين من يقاتل من أجل المال ومن يقاتل حاملا عقيدة وإيمانا.
جيش الفدائيين
بعد فرض دولة الأمر الواقع في كردستان وانتخاب برلمان وحكومة للإقليم، لم يكن من المناسب الاستمرار في تشكيلات البشمرغه كما كانت عليه الحال أوقات حرب العصاباتِ وتم تحويلها الى وحدات عسكرية نظامية شكلا ومضموناِ كان الأمر صعبا في البداية (تحويل مقاتلي الجبال الى جنود في جيش نظامي،ِ لذلك تمتقسيم البشمرغه الى قسمين: المحاربين القدماء أو 'بشمرغة سبتمبر' وهؤلاء الذين بدأوا القتال منذ عام 1961 حتى الانتفاضة عام 1991 وأصبحت لديهم مؤسساتهم واستمروا بأسلوبهم القديم المعتاد وينتشرون في كل مكان في كردستان أيضا ولديهم قيادتهم الخاصة التابعة لوزارة البشمرغه كما قال الوزير.
وتجدر الإشارة الى أن هذه التسمية، أي بشمرغة سبتمبر، لا تعني أن جميع المنخرطين فيها من الذين بدأوا القتال عام 1961، بل يوجد فيها حسب إحصاءات حميد أفندي ما يقارب 30 ألف مقاتل من الأعمار التي تسمح بالقتال. هذا العدد يخص التشكيلات التي يشرف عليها الحزب الديموقراطي الكردستاني في أربيل ودهوك ويمكن إضافة أكثر من هذا العدد إلى تشكيلات الاتحاد الوطني الكردستاني ليصبح مجموع المقاتلين غير النظاميين في كردستان نحو 70 ألف شخص ، أما القسم الثاني، فهم العسكريون النظاميونِ ويؤكد وزير البشمرغه على أن عددهم يتجاوز 30 ألف عسكري نظامي مدرب بشكل ممتاز لا يقل مهارة عن أي جندي محترف في الجيش العراقيِ ويمكن إضافة مثل هذا الرقم الى القوات النظامية للاتحاد الوطني ليصبح تعداد جيش كردستان النظامي بنحو 60 ألف شخصِتجدر الإشارة الى أنه لم يشرع حتى الآن قانون للتجنيد الإجباري في كردستان، لذلك فان كل القوات النظامية التي ذكرت قوامها من المتطوعين.
أكاديميات وكليات عسكرية
حرصت قيادة كردستان السياسية والعسكرية على إنشاء معاهد متخصصة لإعداد الضباط وضباط الصف والمعلمين المتخصصين في الشؤون العسكرية بالإضافة الى الكوادر العسكرية المتقدمة الموجودة أصلا في الإقليم والمتكونة من الضباط ذوي الرتب العليا والمتوسطة، والذين كانوا يخدمون في الجيش العراقي وأغلبهم من الأكراد الذين تركوا الخدمة العسكرية في الجيش العراقي والتحقوا بصفوف المنتفضين عام 1991، وبقوا في كردستان بعد تمتعها بالإدارة الذاتيةِ وكذلك الضباط الذين هربوا من الجيش العراقي النظامي والتحقوا بما يمكن أن نسميه جيش كردستان. استطاع هؤلاء تأسيس نواة لأكاديميات عسكرية متخصصة بدراسة صنوف محددة في الجيش (المدفعية، المشاة، مقاومة الطائرات، الهندسة العسكرية ِِِالخ) بالإضافة الى مراكز تدريب المتطوعين الجدد، وتوجت هذه الجهود بتأسيس الكلية العسكرية التي يتخرج فيها الضباط المحترفونِ وتجدر الإشارة الى أن هذه الكلية أكملت تخريج الدفعة الأولى للضباط وكانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ كردستان.
دورات خاصة
وتفتح مراكز التدريب الكثيرة المنتشرة في الإقليم دورات مركزة تستوعب أحيانا نحو 1200 متطوع للمركز الواحد، يشرف على تدريبهم 20 ضابطا وأكثر منهم من ضباط الصف. والدورات المركزة هذه تتخصص في تعليم الشباب على استخدام الأسلحة الخفيفة والبنادق الرشاشة والدوشكات ومدافع الهاون واستخدام قذائف 'أر بي جي' والرمانات اليدوية والألغام, ويتلقون منهاجا كاملا خاصابالحروب الجبلية. ويقول العقيد دلير ميرا نائب رئيس العمليات لقوات البشمرغه النظامية بأن هذه الدورات المكثفة تستمر 45 يوما تبدأ بعدها الفرضيات، أو التطبيق العملي بقضاء أسبوع في الجبال وتمثيل معارك حقيقية.
تطوير القادة
ويخضع الضباط أيضا لدورات تدريبية تصل الى 3 أشهر كل سنة تقريبا تعرف بدورات تطوير القادة تستوعب من 60 الى 120 ضابطا يساهم فيها محاضرون من مختلف الأماكن وأكاديميون أغلبهم يحملون شهادة الأركان.
العقيدة العسكرية الكردية
وتعتمد القوات النظامية في كردستان على النظام الإنكليزي ومناهج الجيش العراقي مع بعض التغييرات التي تأخذ بعين الاعتبار ظروف المنطقة لكي تعمل لصالحها حسب العقيد ميرا الذي عرف العقيدة العسكرية الكردية على هذا النحوِولأن أغلب القائمين على إعداد الجيش في كردستان من ضباط الجيش العراقي، لذلك فان المنهاج العراقي أخذ نسبة 90 % من التعليم، فيما كانت النسبة المتبقية تعتمد على الخبرات المتراكمة أوقات المقاومة.
التسليح
هذا العدد غير القليل للجيش النظامي يتطلب تزويده بسلاح حسب الصنوف التي تدرب عليهاِ ولأن كردستان منطقة مسلحة بالكامل تاريخيا، إلا أن هذا التسليح كان مخصصا للقوات غير النظامية وبالأسلحة الخفيفة التي تسهل عليهم المناورة وخفة الحركة كما تقضي بذلك ظروف حرب الأنصار والعصاباتِ على أي شيء يعتمدإذن تسليح القوات النظامية؟يقول وزير البشمرغه بأن لديهم المزيد من الأسلحة الخفيفة التقليدية المعروفة ويمتلكون عددا لا يستهان به من المدفعية المختلفة معظمها قصير المدىِ وتبين بأن لديهم دبابات ومدرعات أيضاِ وهذه الدبابات غنموها أوقات الانتفاضة حيث أعادوا قسما منها الى الجيش العراقي، فيما احتفظوا بالخفاء على الأرجح بالقسم الآخرِ ولا توجد لديهم مروحيات ولا طائراتِ لأن ذلك غير مسموح لهم لا من الاميركان ولا من مكعب الدول المحيطة بكردستان.
الدفاع عن كردستان
لدى كردستان العدة والعتاد كما يقال، لكن السؤال المطروح ما هي مهمات هذا الجيش غير الصغير؟تتبع مهماته للظروف السياسية المختلفة وتطور الأحداثِ ويمكن أن تسمع عبارة شفافة للغاية، كما رددها رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود البرزاني، بأنهم يدافعون عن أربيل والموصل والبصرة على حد سواء وكررها وزير البشمرغه: نحن ندافع عن العراق وعن كردستان. وللتوضيح قال: ندافع عن كردستان لو تعرضت للهجوم وندافع عن العراق لو تعرض للهجومِ لكن هذا الهجوم غير المقصود به الهجوم الاميركي المحتملِ فالأحاديث الخاصة مع قادة الإقليم أوضحت بأنهم يقصدون هجوما ما قد تقوم به الدول الإقليمية المجاورةِ وهذا الأمر لم يصبح سرا بعد المناوشات الإعلامية بين الديموقراطي وتركيا مثلا، وبين هذا الحزب وتلك الدولة المجاورة التي يحمل كل يوم فيها الجديد.
المنتظر والمؤجل
كل القادة السياسيين في كردستان، جميع قادة الأحزاب على هذه الأرض أجمعوا على ضرورة التغييرِ وكلهم تقريبا يؤيدون المساعدة الخارجيةِ ولعل زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني هو الأكثر صراحة وجرأة بينهم جميعا، حين وضع النقاط على حروف 'المساعدة الخارجية' وأسماها الاميركية بدون لف أو دوران. أي أن كل الأحزاب والتشكيلات والحركات والاتحادات والمنظمات التي يصل عددها الى 40 نوعا وطرازا مع فروع الأحزاب المشكلة في الخارج والداخل تتفق على ضرورة الإطاحة بنظام الحكم الحالي في بغدادِ وتراهن علنا أو سرا على التدخل الاميركي لا الغزو الاميركي للعراقِ ويمكن تفسير ذلك: تطالب القوى الوطنية المعروفة والمؤثرة والرئيسية بضرورة المساعدة الخارجية (أو الدولية) لقوى المعارضة التي تصل تشكيلاتها المسلحة على حد إحصاء جلال الطالباني الى 150 ألف شخص وهذا العدد لا تمتلكه معارضة في العالم، لتقوم هذه القوى بالتغيير.
ما بعد الهجوم
تستطيع التشكيلات العسكرية النظامية منها وغير النظامية التي أشرنا إليها والموجودة في كردستان صد أي هجوم يقوم به النظام العراقي ضد الإقليمِ ليس هذا فحسب، بل تحاول الولايات المتحدة استغلالها للتحرش بالقوات العراقية لكي تستخدم واشنطن ذلك للتدخلِ لكن هذا الأمر رفضه جلال الطالباني علنا في تصريح لـ 'القبس' بقوله انهم لا يريدون أن يصبحوا حصان طروادة لأحدِ ويرفض هذا الأسلوب الزعيم مسعود البرزاني أيضا بناء على كل تصريحاته معناِإذن، ما الذي يمكن أن يفعله جيش كردستان لإحداث التغيير في العراق؟يمكن حصر مهماته في التالي:1- الدفاع عن الحدود الحالية لكردستان من أي هجوم يقوم به الجيش العراقي.
2- مجابهة أي تدخل عسكري من قبل دول الجوار بدون تنسيق مسبق.3- استقبال وحدات الجيش العراقي التي ترفض القتال بعد توجيه الضربة الجوية.4-ضم الوحدات التي ترغب في الإطاحة بالنظام الى قوات كردستان للمشاركة في العملية واسعة النطاق ضد النظام.5-القيام بمحاولة للسيطرة على كركوك والتركيز على حماية حقول النفط فيها من تدمير محتمل يقوم به النظام.6- فرض السيطرة والمساهمة في استتباب النظام في الإقليم الذي سيكون في حالة طوارئ أو أحكام عرفية مثل منع التجول أو غيره.
خطوات أولية
لغرض تنفيذ المهمات أعلاه، كان لابد من توحيد الإقليم الذي يشهد حالة التقسيم في البداية، لذلك حرص جلال الطالباني على التوقف في صلاح الدين لمقابلة مسعود البرزاني وجها لوجه بعد عودته من واشنطن وتركيا ليضعا النهاية في اتفاقية صلاح الدين التي ستنهي الوضع الحالي. هذه الخطوة لو يكتب لها النجاح ستكون حاسمة وغاية في الأهمية لتوحيد الجهد السياسي والعسكري والاقتصادي في الإقليم، الذي يعتبر الطاقة الكامنة والحركية لأي عملية تغيير يمكن للعراق أن يشهدها، لا سيما أن النظام حرص على بقاء التقسيم والتفكك وزرع الخلافات وتجنيد التنظيمات وغيرها من الأساليب. لأن ضعف كردستان يصب في كل الأحوال لصالح النظام.
الأخوة العربية - الكردية
وعرفنا من مصادر غير رسمية بأن السلطات في كردستان مهيأة لاستقبال أي وحدات من الجيش العراقي مهما كان حجمها في الإقليمِ وحسبت حسابهم في كل شيء (لا تحتاج القوات العسكرية النظامية الى مساكن، فهي معدة للتواجد والعيش في أي مكان وتحت أي ظروف)ِ لذلك لم تكن من المصادفة رؤيتنا شعارات يشرع الخطاطون في إنجازها، تشيد بالأخوة العربية - الكردية والتسامح والضيافة والكرم، سيتم مناداة واستقبال القوات العراقية بها.
طرد الأنصار
يعتقد القائمون على مسائل الدفاع في كردستان أنه من الضروري القضاء أو طرد تشكيلات أنصار الإسلام من الشريط الحدودي الذي تسيطر عليه قبل العملية العسكرية ضد النظامِ قال جلال الطالباني لنا إنهم أجلوا العملية ولم يلغوها وأكد أن هذه الجماعات مشكلة من قبل النظام العراقيِ أي أن مسألة مواجهتها حتميةقبل الضربة، لكي يتفرغ الاتحاد الوطني والديموقراطي للمساهمة في العملية الشاملة ضد النظام. ويعتقدون في السليمانية أنه من الضروري أيضا عدم منح جماعة أنصار الإسلام أي شبر إضافي أكثر مما حصلوا عليهِ لذلك ينتشر نحو 1500 من بشمرغة الاتحاد بشكل دائم في مدينة حلبجة بالإضافة الى الربايا ومراكز السيطرة والقوات المتمركزة في الجبال المحيطة لمنع أي تسلل من شأنه تعطيل القوات الرئيسيةللاتحاد من خوض عمليات ضد النظام.
الجميع مسلحون
الى جانب كون كردستان مسلحة تاريخيا، أضافت إليها الأجواء الجديدة من حرية التعبير وممارسات الديموقراطية مشكلة ليست بالهينة، وهي ظهور عدد كبير من التشكيلات المسلحة لا تتبع للحزبين الرئيسيين ولا لمجموعات أنصار الأحزاب العراقية المعروفة.
مثلا، في أربيل وحدها هناك 33 حزبا عاملا حتى تحرير هذا التقرير عدا الأحزاب في السليمانية وفروعها وفروع الأحزاب التي تظهر يوميا في الخارج، فالأحزاب تفرخ غيرها: الشيوعيون تقسموا لعدد من الأحزاب ومثلهم الإسلاميون وهناك 26 حزبا تركمانيا فقط لم ندخله في الحسبة المذكورة لأنهم اتفقوا على تشكيل جبهة تركمانية وهناك جبهة تعارض هذه الجبهة وللآشوريين أحزابهم وحركاتهمِ وما يهمنا في هذا التقرير أن كل هذه الأحزاب تمتلك تشكيلات مسلحة أغلبها غير مرخص كما صرح لنا مصدر مسؤولِ وعندما نطرح على قادتهم السؤال عن أهمية هذه التشكيلات المسلحة، كانوا يتفقون على إجابة واحدة: هذه مجرد قوة لحماية المقرات.
كيف يمكن اعتبارها قوة لحماية المقرات بدون ترخيص من الجهات المعنية؟ والغريب أن أصغر قوة حماية وجدناها عند حركة آشورية لا نريد ذكر اسمها ومع ذلك يبلغ عدد المسلحين فيها 500 شخصِ أي أن أقل تشكيلات مسلحة داخل المدن الرئيسية في كردستان يفوق عدد أنصار الإسلام الذين شغلوا الدنيا. وحتى الناس العاديين يحوزون على سلاح غير مرخصِ وبإمكان زائر طارئ مثلي شراء مسدس ماركة معروفة مقابل 200 - 300 دولار والشيء نفسه ينطبق على البنادق الآلية. تمر في شارع ما، تجده مغلقا من قبل مسلحين: من تكونون؟ يقولون ممنوع المرور لوجود مقر لحزب لم يسمع به أحد، وفوق ذلك يطلبون منك هويتك، هم أنفسهم المسلحون بشكل غير شرعيِ هذا التداخل العجيب هو الذي تسبب مرة في تصادم عسكري بين قوات الديموقراطي وقوات الجبهة التركمانية، وكما قيل صل بعد أن أطلق المسلحون التركمان النار على شرطي رسمي كان يحاول فك شجار بين سكارى وربما كانت أسباب أخرىِِ والله أعلم.هذه الحوادث نادرة ولا ينبغي تعميمها للإنصاف، فالوضع الأمني في كردستان من هذه الناحية مستقر للغايةِ ولكن حامل السلاح سيستخدمه عاجلا أم آجلا حسب تشيخوف، فماذا سيكون لو حمل السلاح كل من طبع بيان حزبه على كمبيوتره الشخصي؟زد على ذلك، ان بعض الأحزاب المسلحة في كردستان مشكلة وممولة من قبل جهات خارجية معروفة وحتى هذه الأحزاب لا تخفي الأمرِ أي أن كثرة السلاح في المدن الكردستانية سيعمل وقت الضرورة على هوى الممولين وخدمة لمصالحهم، كما أثبتت التجارب السابقة في الإقليم وفي مناطق وحالات مشابهة أخرى في العالم.
قوى الأمن
للمنطقتين في كردستان أجهزة خاصة تعرف ب'الإيساج' وهي أمن ومخابرات أيضاِ ولديهم كل مقومات الأجهزة الخاصة الأساسيةِ وتحافظ هذه المؤسسات أو نجحت حتى الوقت الحاضر في التصدي للكثير من محاولات التخريبوالاغتيال وزرع العملاء وتزوير العملة وغسل الأموال وإحداث القلاقل وغيرها من أعمال المخابرات المضادة ومكافحتها في مهدها في الكثير من الأحيانِ وفي سجونها الكثير من أبطال هذه العمليات الفاشلة كما عرفنا من جلال الطالباني شخصيا.وبفضل قوة 'الإيساج' لم يشهد الإقليم أي اعتداء أو خطف أو اغتيال لأي أجنبي سواء كان صحافيا أو من العاملين في منظمات الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية المختلفة والكثيرة، بالرغم من أن النظام العراقي وضع مكافأة بلغت 30 ألف دولار مقابل رأس أي صحافي يعمل في كردستانِ لكن النظام استطاع اغتيال أحد العاملين الأجانب في الأمم المتحدة بعد أن خرج الضحية عن التعليمات، كما قال لنا مصدر مسؤول، ونزل عند رغبته في قضاء الويك إند مع صديقته في إحدى غابات كردستان.

دعوة لاستفاقة الزمان ما أن يشدو الماء





كردستان - د.جمال حسين علي:


أيشك أحد بشموخ قبعة شقلاوة الخضراء التي لا تفارقها ؟
أيستطيع أحد كبت عيونه من رؤية آنيات الزهور الحمراء التي تتدفق مع شلالات بيخال المصفوفة الشعر والتي تباغتك أينما نظرت ؟
أيمكن للحواس ان تغادر عطور وإلهاء وصبا العمادية وراوندوز وسرسنك وصلاح الدين وديانا ؟
ألا يعطي انهمار جدول كلي علي بيك من ثغرة في الجبل ساعة إثر ساعة بلا توقف منذ هدير السنين ، كمالا لطبيعة تعلق الأبصار وتدخل النفس وتملأ مقاعد الفرجة وترنح التمايل وتبدل العادي وتسطع الضوء في الوحدة وتمحو ملامح العابس وتزهو الحالم وتقول للزمان : أرجع يا زمان ...
مالنا نريد للزمان أن يرجع على عقبيه ؟
مالنا نريد إبطال حركة أقدامنا ؟
مسوقون بالمحال سارحين مع هدير" السيدة " لزمان أولئك الجميلين ، زمان السعة والرحبة والمرور الذي لم يدوم.
تكفيك دقائق شلالات " كلي علي بيك " ومثلها في " بيخال " لتنزح عن روحك وتنزع منها كل أشباح ربع القرن الضائع من بين يديك : هنا روحك انتفضت مثل ريش استعاد نجواه بالغريزة ؛ وها هي الضحكات قادمة ، تشع من أي بذرة في الجبل ، تتسلل من حولك لتستحيل دارك الضائعة وساعتك الآزفة.
فلنترنم بأغان الغرام الأول ، دفئا فوق دفء
على نسمات النبات وعسر التعرف الأول
وعبر فيض ضفاف الأغنيات وشدوها المطالب :
كن وميضنا البراق وأرجع يا زمان !

قالوا لي : تعمل عشرين ساعة في اليوم عليك أن تستريح.
بلا طائل أن تشرح لصحافيين مثلك أن عملك هو راحتك. لكن الزملاء الشيقين في جريدة " الاتحاد " و " كردستان نوي " عرفوا العقدة ووضعوا بها المنشار بهذه الحجج المهنية الى حد بعيد : أولا ، اليوم جمعة. وكل شيء معطل في البلاد. لا وزارات تعمل ولا أحزاب وحتى حملة السلاح أركنوه وذهبوا للمساجد. ثانيا ، أن سفرتنا اليوم تقليد سنوي ولا يمكن أن تعاد بوجودك على الأرجح. ثالثا ، أليس رؤية الناس المبتهجين والمصطافين والمستريحين عملا لك وتكملة لأسئلة قد لا تحتاج لذكرها ؟
الحجة الثالثة كانت الأقرب بالطبع وكنت مصرا وقتها على إثبات المسألة الأهم : عودة الزمان.
حين يطنّ الخريف
فرصة كانت بالفعل لاستنشاق خريف السواقي وطنين النحل ووثبة الجبال وأهداب الحجر. وهكذا رافقت سيارتنا الرمانية التي لا تعرف التبريد موكبا من خمس باصات.
وكما لو كانت تتدحرج ، نزلت الرمانية برشاقة في عمق واد لم يكن سوى شرنقة خضراء يخوض فيها ماء من كل الاتجاهات دفعني للسؤال: أتتركون هذا التفجر الساحر وتقيمون في السليمانية ؟
أوغل سوران بنجاحه : ألم أقلك ؟
لا أعرف فقط كيف تعلم الماء شدو الطيور ؟
هذا الماء السابح فوق الحشائش والمرتطم بالخور والمتكور بين الصخيرات ، كيف ينزل قربنا بنفس صدى الأطيار ؟
الأواني تتوالد

بحركات سريعة لأيدي فوق الباصات وخارجها وبين النوافذ وخلال الأبواب لم تسعفني الساعة في عد الثواني التي انزلقت فيها كل الأواني التي كما لو كانت تتوالد فوق موائد أعدت بأكثر من سرعة صانعيها لتمتلئ بتلك الفواكه التي لم تصل الى معدتي منذ أوقات الجلاء.
لا حاجة للثلاجات للتبريد أو الحنفيات للغسل ، فقد رموا كل هذه المتع تحت أقدامهم حيث كان نهير صغير بحجم قفزة كهل ، هكذا رموا كل صناديق الفواكه والمشروبات مخلفين منظرا لم يسلسله تشكيلي بعد ولكي يمعنوا في الإغراء : بعد دقائق سيبرد وينظف كل شيء.

تمنيت لو تشفع عيني بالتحديق داخل الماء وهو يذوب في الأنامل التي تتناول بين الحين والآخر تينة أو رمانة أو عنب يرقص عنقوده قبل أن تقبله الشفاه الجورية.
نهر من ثمار ملونة ، صاف ماءه كأنه يسري لتشربه غابة زان وتيمم بذراته وجوه يخجل من احمرارها الزعفران وكل المنهمكات في دس أنوفهن بآخر صيحات التجميل.
داعب الأطفال الفواكه المرحة بالماء كما لو يرون سمكة لأول مرة. أجسادهم ثائرة تلطم الماء الناصع ومعه يبدون كدوحة فسيحة تصدر الضياء بلا انقطاع.

جمال المكان يصيح بأعلى صوته معبرا عن نفسه. ولكن ما أضيف عليه انبساط البشر وطبيعتهم الشفافة ورقيهم وخفة ظلهم وخطواتهم ودمائهم وأصواتهم. كأنهم غسلوا كل المرارة المحكمة في هذه البلاد بجدول صغير مشجعين الحسرة لتنطلق : آه .. لو تهب ريح الشمال على كل البلاد !
المئات المندمجون كلّ بما يحلو له ، المئات في مكان واحد لم يشعر أحد بمضايقة أحد آخر أو حتى لم يشعر به ، الجميع هنا يشعرون وكأنهم جالسون لوحدهم. فعندما لا تشعر بوجود جارك ، يعني أنه حريص على راحتك الى أعلى خلاص. تشعر أيضا بألفة البشر وكأنهم عائلة واحدة متناسقة الأطراف يكللها سقف وحيد.

بنى الذين من قبلنا سقائف متجاورة على طوال الجدول من جذوع أشجار ثبتت كأعمدة تغطي سقفها الحصران. ولأن أصحاب الدعوة جريدة تحتفل بذكراها السنوية ، فقد كان حظنا الجلوس مع رئاسة التحرير ورؤساء الأقسام والمحررين الأوائل. وما الذي ينتج عن هذا الجمع بعد الكأس الثالثة ؟ معروف وواضح ومثبت حتى في الدستور المستقبلي للبلاد : نقاشات سياسية ليس لها نهاية ؟ يا له من حظ ؟ لا بأس ، اشتركت في بعضها أما الآخر الذي دار بالكردية فقد منحني الفرصة لأستل كاميراتي وأتدحرج بين الصخور وألغي صفة المدعو وابدأ بالعمل لأن الاستراحة انتهت في السقيفة السياسية.

لأجلس على حافة النهير لتقطف عيني بعض الصور التي لا تعاد. ثمة شيء في المجرى ينمو ويتصاعد ، كانت أصوات تمسك بالأداء ذائبة في الأجساد ، لقد بدأ العزف الذي سرى في جوانح أي خلية تتدفق برنين زنابق الأثواب لتمنح هذا النهار النافح بباقة الورود المتأججة من كل زوجين أثنين انبعاث فرح الأقدام بما يطلقون عليها في كل اللغات بمؤانسة شديدة الصقل : الدبكة.
دارت بهجة الفتيات مرة وعاشرة بحلقة صاغوها بالتئام وخطوا عبر ضحكاتهن كل كلمات الفرح المفككة. يزهون برقصة الأجداد الصامدة وتأليف أقدامهن لشيء باعث بالتألق.
دفن صوت " السيدة " المنبعث من السقيفة الحوار السياسي ، فقد استسلم الجميع لنبرتها برخاوة الأنفاس التي تجري حول الرجاء الأخير المتاح :
عاوزنه نرجع زي زمان
قل للزمان
أرجع يا زمان !

ذاكرة التكايا .. استنطاق العالم الآخر












أربيل - د. جمال حسين علي:


هؤلاء هم .. هؤلاء إذن ! من احتار في وصفهم الروائيون والعلماء والأطباء والروحانيون والماديون ، من تاه في معرفة لغزهم خبراء الفيزيولوجيا والبشرة وحفظة أسرار الأعضاء البشرية.
هؤلاء المتهمون باختراع البدع والمزدكية والانحراف يسلمون السجادة يدا بيد ، لجيل بعد جيل ، منذ الحلاج و أبي يزيد البسطامي والسهروردي ومحي الدين أبن عربي وأبو الفتح البستي وعلي بن محمد الجرجاني. المتوحدون بالرحمة التي لا حد لها للإله الذي لا حدود له.
بين عالمهم غير المرئي وعالمنا ، ربما ذلك الفاصل بين الروح والجسد والألق المتزاحم المدفون في المهج وشرارات الطرق المتناوبة والسرية وتعاليم وامتحانات قاسية وعسيرة جسدية وروحية من صيام وذكر وأوراد وطقوس تتم حسب الطريقة التي يلتزم بها المرشد ليولد بعد أعوام طويلة من شقاء الرياضة الروحية ، من يحمل اللقب الأكثر احتراما وهيبة والمحفور قبل الاسم ، المريد ، أو بالتعبير الأكثر شيوعا عندنا وعندهم : الدرويش !
فلسفتهم
حتى لمن لا يشعر بتوق ما لحياتهم وأساليبهم ولا تجربة لديه أو تعاطف مع طرقهم ، يشعر ، كما شعرنا ، بعد ساعة على الأكثر من بدء أدائهم للطقوس بترابط ما وتدب الحركة في جسمه وتتمايل سبابته في الاتجاه الذي تحدده كلمات الدفوف والطبول التي تصدر أصواتها من قاع التاريخ.
عند وصول الإنسان الى مرحلة ما يسمونه " الصوفي " يبلغ حسب فلسفتهم الذروة في حب الله ولا يدرك بوجود نفسه التي يرى بأنها منفية ومتجلية لله القدير وحده. ويعتقد بعض علماء الشريعة بأن هذه الحالة التي يسمونها " وحدة الوجود " لا تتماشى مع الشريعة ، بتفسيرهم أن الأمر يكون كما لو كان الله يتحد مع مخلوقاته وهذا ما يتنافى مع الإسلام. ويعترضون على المتصوفة بأن فلسفتهم غامضة وتمعن بالرموز والطقوس والشعائر التي لم تورد في النص.
غير أن ما يشغل الصوفي يتعدى هذا التفسير ولا يراه متعارضا مع الإسلام ، طالما حسب رأيه ، إن غايته الكبرى الحب المطلق والأسمى لله ، بلا هدف أو مطمح دنيوي.
لذلك فالتصوف ، حسب أتباعه ، يركز على التأويل وليس التفسير والباطن وليس الظاهر والروحانيات وليس المحسوسات. لذلك يرون بأن تقواهم تفوق ما هو ظاهر في النص طالما النتيجة تؤدي الى الزهد والتقرب الى الله سبحانه وتعالى.
هكذا يرون أن التصوف يؤدي الى تصفية القلب من شوائب الدنيا وأخلاقها ومادياتها.
متى ظهروا ؟
بعض الدارسين يرون بأن التصوف ظهر في الهند وبلاد فارس أو هي من مظاهر النصرانية أو الغنوسطية وحددوا ظهورها في العام 200 الهجري في مصر عهد الرهبنة النصرانية. لكن السهروردي يؤكد بأن التصوف لم يكن معروفا أوقات الرسول ( ص ) ويضرب الكثير من الأمثلة بأن الفكر الصوفي كان امتدادا للنبي والصحابة معترضا بذلك على ربط الصوفية بالزرادشتية لأن أحد أركانها البسطامي ينحدر من أسرة مزدكية وأن جده كان زرادشتيا اعتنق الإسلام.
وكان الحلاج قبل البسطامي بنحو 50 عاما ، قرب فلسفة التصوف الى وحدة الوجود ، هذه الفكرة التي عرفت عند الرواقيين أيضا في العصر الهلنستي وتبناها أفلاطون ومحي الدين أبن عربي.
وفي كل الأحوال ، فقد اجتهد المتصوفة المسلمون في إظهار فلسفتهم لتنسجم مع التعاليم الإسلامية مستندين على نصوص من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة الإسناد. وساعد انتشار أفكارهم وطقوسهم لدى العامة تمسكهم بالحب والأخاء وصفاء القلب والزهد والترفع عن مباهج الدنيا. ومع ذلك يبقى التصوف أكثر منابع التراث المثيرة للجدل لضخامته وعمقه وتأرجحه وغموضه.
كيف وصلوا؟
تنتشر في العراق وفي كردستان بالذات الطريقتان القادرية والنقشبندية بالإضافة الى الرفاعية وما يسمون أنفسهم " أهل الحق " أو " الحقانية ".
والبداية كانت بعد رحلة خالد الشهرزوري الى الهند قبل أكثر من قرنين والتقائه بعبد الله الدهلوي الذي نقل عنه الطريقة النقشبندية الخالدية الى كردستان. واستطاع تقريب الإسلام واللغة العربية الى وعي الكردي البسيط المجبول في حب الطبيعة وقدرة الخالق.
ويعتقد من سار على هذه الطريقة وأكثرهم شهرة الملا يحي المزوري والملا أبو بكر وعدد كبير آخر من المرشدين أمثال سراج الدين عثمان وضياء الدين عمر وحسام الدين وعلاء الدين وعثمان سراج الدين الذين أسسوا المدرسة الصوفية في بيارة.
وخرجت الطريقة القادرية مرشدينها أمثال الشيخ سعيد والقائد الكردي محمود الحفيد وغيرهم.
ذاكرة التكايا
وهناك التكايا المنتشرة في كل بقعة من كردستان مثل التكية الطالبانية والتكية الكسنزانية وتكية سيد أحمد خانقاه وتكية بيري قره جيوار وأبناء أسرة خادم السجادة الذين يحتفظون جيلا بعد جيل بسجادة صلاة النبي ( ص ) الذين قاوموا كل محاولات السلاطين العثمانيين بالحصول على السجادة المباركة وغيرها من التكايا والمساجد العريقة التي يحمل كل منها تاريخا عامرا من الإسهامات في خدمة الدين والفكر والأدب ورعاية الناس.
حرصنا كل يوم جمعة الحضور في واحدة من التكايا في كردستان قبل الصلاة وبعدها وأحيانا في المساء. وتعرفنا عن قرب على الكثير من الشيوخ الذين " يمتلكون الطريقة " ومعاونيهم وأتباعهم.
كانت الصفوف تجتمع لتقبيل يد الشيخ الجالس على سجادة قديمة قبل البدء بحلقة الذكر. ينزوي في غرفة شبه معتمة تعتمد على بعض مسارات الشمس يحيطه عدد كبير من الرجال الذين لكثرتهم تشعر كما لو أن المكان يتمدد لكي يكفيهم. لا أصوات مسموعة ، ومن يريد الكلام فالهمس أفضل طريقة.
عندما نظرت الى جسد الشيخ تساءلت : كم من السكاكين والسيوف والخناجر غرزت فيه ؟ وكيف تحمل هذا الجسد النحيف كل ذلك ؟
تمنيت مضاء الوقت بسرعة لمشاهدة ما سيفعله المريدون أو الدراويش والخروج من الغرفة المعتمة والخانقة والملفوفة بالصمت.
حلقات الرواد
وكحلم فار ممتد الى تاريخ غير معلوم ، دلف الكثير من الرجال الأصحاء ذوو البنية المنتشرة كافة الاتجاهات والعضلات المصبوبة برياضة الروح منذ الولادة ، وبحركات كما لو كانوا اتفقوا عليها منذ ارتقائهم حبل السرة ، بتوافق تعاهدت عليه حتى شواربهم ولحاهم الكثة وشعر رأسهم المنسدل كما لو يشده مغناطيس. بتلك السراويل الغامقة الراسخة في أقدامهم ، شكلوا حلقة ، اثنين ، ثلاثة ، تحاكي قفزاتهم التي لا تفتأ تتغير حسب دعة الأجساد المشعة خطوط من نار أو نور غير مرئي ، أنفاس من جرى طول عمره ، جبينه ثائر مع دقات الدفوف والطبول ، لتخرج الوجوه كامتهان الفراشات متداخلة مع زهو أغان ممتهنة لشعراء القرون السحيقة.
كنت تتمادى من اجل فك لغز الكلمات ومحاولة الوقوف على قدميك دون أن تعريها القوافي المنسابة بلا صقل متعمد. كانت كل الأيادي والأقدام والصدور شارات مميزة لقائد تراه في كل مكان يحرك الحلقات بطاعة أخاذة ، وفي قمة الحسرة على جفاء الدنيا الخاوية ، تتضرع الأكف كأنها انبثقت من وراء حجاب أو ستار طوله السماوات وعرضه الأرض للواحد الأحد ، دعاء انبثق من كل الشرفات وحكى كل القصص وانجلت فيه كل الخواطر ، من الفكرة المنبثقة من قاع أناء ، وبصلابة كاسرة تتلو باستعلاء على تفاهات الحياة ، تكاد السراويل تتخاذل ما أن تلوح أولى الكلمات سابرة غور المكتظين ، محبوكة بآلاف الخيوط ، منظمة كتقليد مرعي ، تزف إليك كل النسق والحذق :
كل ما يذكر قلبي احمدا
أنا لله ذليلا ساجدا
تتلوى الأجساد المنصهرة في الحلقات بلمحة خاطفة وإشارة من قائد المجموعة. تتلوى أقدامهم كبقايا عنقود موز ، ترفرف خصلاتهم شظايا متموجة تزيح الهواء بظل الموسيقى ..
اللوح
ها هم يسلمون أنفسهم تماما ويخرجون من أجسادهم الذائبة ليعانقوا الصورة ، الملمح ، الظل ، الخيال ، لتلك الإرادة الجياشة التي تفقد الأوزان ، الى عالم الاستكانة الهاجعة والخلوة غير المقطوفة ، أنها ساعة الألق التي تزيح ثقل القرون والأسماء المدونة على الجدران واللوحات التي خطوها برشاقة على ناصية التكية :
" أنزلت هذه الطريقة بواسطة جبريل الى يد سيدنا محمد ( ص ) ومنه الى الإمام علي بن أبي طالب "
تطوف الكتابة في الناحية الأخرى من الجدار الممتد في العتمة :" ومنه عن طريق الجناحين الإمام الحسين والشيخ حسن البصري ومنهم الى يد الإمام علي زين العابدين "
أخترع ضوء لأقرا ما تبقى من الكراس المعلق كلوح وضاء يسوق الإحساس لمعرفة التالي :
" ومنه الى يد الإمام محمد الباقر
ومنه الى يد جعفر الصادق
ومنه الى يد موسى الكاظم "
يستمر اللوح بهذه الخطوط حتى يتم بذكر الآية الكريمة : " ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم".
تطلع واندفاع
ليست الأجساد وحدها كانت تتدافع ، بل الشفاه والمآقي واللحم والدم وكل الأشياء ، بلا تنافر ، كأنهم يمسدون غريزة بعضهم البعض ليوقظوا مسلكها الذي يشجعه صوت انبثق فجأة ، بين جمع الأصوات المتدفقة كالخطوب ، صوت كطيف مصنوع من ضباب سماوي ، ابتهال ورجاء طفا على الرؤوس مبكرا من الذليلين ، المتحسرين والدامعين :
أمولاي إني عبد ضعيف
أتيتك أرغب فيما لديك
أتيتك أشكو مصاب الذنوب
وهل يشتكي الضر إلا إليك
فمن بعفوك يا سيدي
فليس اعتمادي إلا عليك
يعقبه صوت آخر بتردد لا ينقطع :
أعوذ بك أن أضل أو أُضل أو أزل أو أُزل أو أظلم أو أٌظلم أو أجهل أو يجهل عليّ ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي ، أسألك خير المولج وخير المخرج ، غفرانك ، برحمتك أستغيث ...
وفي اللحظة التي يختم فيها الصوت حرفه الأخير ، يندفع الجمع بصوت واحد هو انفجار أحاسيس تسقط كسهام على صفيح ، صرخة هي مزيج من الرضا والاعتراف ، كموج يزحف تحت الأرض تتلقى صداه فقط :
يا حبيبي يا محمد يا شفيع
أنت ذخري يوم يدعوني السميع
في اللحظة نفسها بلا تواطؤ ينفث صاحب حنجرة صلدة :
صلوا على البدر الدجى محمد
غرف معتمة منورة
تمتزج الهمهمات كسلسة من صلوات لا نهائية تزحف نحو الأفق البعيد ، فوق الرؤوس ومن بين الأكتاف التي لا قيمة لها وسط المناكب ورايات الوجيعة : يا حبيبي ! صوت يتسابق مع الدمع ودوي الطبول وحشرجات الخلق الخانعة. تفز من أفواه تعض أسنانها بمعيار ندم نكلت به الأيام والأزمنة السحيقة ، المختبئة بين شقوق التكية المغرقة بالظلام والنور وخزائن الكتب والمناضد الخشبية التي تحلق حولها المريدون الأوائل وسجادات العصر المرصع بالإيمان التام ، أختام وسبح وعمائم خضر وسود ، تطل بحنان على الباب الذي لا يفتح إلا للمختارين الذين تنساب خطواتهم بلا جلبة لتمعن في تآلف أبن عربي وباطنه ، اشراقته وسلامه ، ذلك المعتصم طلبا للمغفرة الذي يتلخص كل مشروعه بالنداء : يا حبيبي يا رسول ! محنة لا رجعة فيها للخروج من الجسد الى الروح لتعزلك عن الآخرين وجمع الآخر المبتهل الى وجد الطهارة الكلية.
طعنات وطعنات
كالطائر في خفة مع الهواء ، يتقدم أولهم لافتتاح " العرض " مستعينا بتشجيع الأكبر الذي يربت على كتفيه لعله يذكره بالأتقياء الأوائل ليستمد منهم العون في ساعة الصفاء هذه.
المفتتح كان رجلا كأنه جاء من عمق مئات القرون ، لا يشبهه أحد من البشر الحاليين ، حجم رأسه الكبير يرغمك على تفحص رأسك للتثبت من إنسانيتك. يلوح بخنجر بطول سيف ويعطيه لبعض الحضور للتأكد من حدته. يضعه على رأسه وبمساعدة دراويش آخرين يغرزه في رأسه وبعد لحظات يتجول بين المتفرجين ليعطيهم حصتهم بضغط الخنجر أكثر فأكثر على قمة رأسه " الآدمي " !
ينسحب مع خنجره على الرأس بهدوء ليتقدم شاب ينبع الحزم من عينيه التي تبين أنهما سره الدفين. يخرج بعض الأسياخ وبهدوء يغرز أحدها اسفل حاجبه ويخرجه من الطرف الآخر وسيخ ثاني وثالث في مقدمة العين وأسفل الرموش. وحسب التقليد يتمشى بين الجالسين ليتفحصوا فيما إذا لم يكن في الأمر خدعة سينمائية.
درويش ثالث يلقي على الأرض ببضعة زجاجات ويبدأ بتكسيرها أمام الجمع وبمشاركتهم. وبعد انتهائه من إعداد " البحيرة الزجاجية " يبدأ أولا بالقفز عليها حافيا وفي هذه الأثناء يتناول وجبته الزجاجية عبر الفم ويمضغها كقطع جبس مستورد.
تبعه بالع الأمواس. وهذا خاط عشرة أمواس من الطراز القديم ذو الشفرتين ودسها في بلعومه الواحد تلو الآخر ، ثم أخرجها بهدوء دون أن تطرف له عين.
درويش آخر بلا مهادنة غرز سكين من النوع المستخدم لتقطيع قوالب الثلج في رقبته وأخرجه من الطرف الآخر و لا أحد يعلم كيف كان يتنفس.
وعندما نزع رجل قميصه وظهر عاريا قلت الله يستر. وقبل أن أكمل هذه التعويذة كان شيشا حديدا قد اخترق بطنه ليخرج من ظهره والله على ما أقوله شهيد !
وهمّ درويش متحمس بخنجر حاد ليعطيه للحضور ليجربوا قص لسانه به وبعد محاولات كثيرة لم يستطيعوا أكثر من إخراج بعض الدم من اللسان.
ما أشبه بعمود حاد من الحديد ، دسه درويش في أنفه جهة اللثة السفلى خلف أسنانه ، ليخرجه من أسفل الرقبة ويتجول به مختالا.
قاطع ثلج آخر غرزه شاب من الجهة اليمنى للسانه وأخرجه من اليسرى كما لو كان يمضغ قطعة سكر.
عصا خشبية طويلة دسها رجل يبدو عليه وقار موروث في حلقه لتظهر في جزء من الثانية من رقبته.
بعد أن حل الظلام ، بدأت فعاليات النار : ثمة من يدخل رأسه في جوف جذع محروق وهناك من ينفث النار من أنفه كبئر أحرقه محتل وغيرها من بهلوانيات لا يجرأ أشهر سيرك في العالم على التفكير بممارستها.
هل يعد عنفا ؟
يعترض أهل الشريعة بشدة على هذه الممارسات ، غير أن الدراويش ومرشدوهم يعتقدون بأن هذه " الفعاليات " تساعد الإنسان على الإيمان بقدرة الله والتحام الخلق بالخالق. وساقوا بعض الأمثلة بأن الكثير من الأجانب الذين حضروا حلقات الجذب والذكر هذه اعتنقوا الإسلام فورا.
وبطبيعة الحال لا نستطيع القول بأن كل الدراويش والمتصوفة يستخدمون مظاهر العنف هذه ، بل تقوم بها فئات منهم وخاصة عند القادريين والنقشبنديين. ويعتبر بعض الدارسين بأن هذا الأمر يخصهم طالما لا يثير فوضى فكرية أو دعوى منحرفة أو زعزعة لاستقرار المجتمع. ويبقى الخطاب الصوفي مسالما وهادئا ووجدانيا ولا يدعو للتشدد أو التعصب أو العنف في نهاية المطاف.

السليمانية مهرجان متدفق بالحياة المتجددة











السليمانية: دِ جمال حسين علي:

الخشية في ألا تظهر هذه الرسالة بمنظر السليمانية الأنيق ومثل تتابع الأيام الجميلة فيها. كأنها تزج بحلاوتها وإلهامها، في غيوم العاصمة وأشباحها، ظلامها ونهارها المغبر، مرة أخرى، تلف الهروب دون أن تفصح بذلك كلمات، بربيعها الباكر تصحو خضرتها من رماد السنوات الظالمة، بعد الريح الأولى، تقذف الشجيرات وتطل برؤوسها منشدة اخضرار الجبال، في الإطار نفسه، بلا تعرج، باكتمال الدائرة، تزفها ساعة النشوة. مترعة هذه المدينة بالأحايين المتألقة وابتسامة السلام كإغفاءة عنزة جبلية في هدوء، بأظافر من يعملون اليوم وغدا، تهمس في الرياح: أما كان لها أن تصبح أكثر لمعانا!وإن لم تكن عاشقها، فقد تتصرف معك لتجعلك تذعن وترتق عواطفك، ومرة أخرى تراك هنا لتخطي دوامة الأيام وأنت تجاري أفقك وأن تتمشى مع الناس الذين لا يكفون عن المرورِ هاك العيون البراقة التي تطأ قلبك لترمي الكلمات وتجعلها تتدفق من ذهنك واحرص على أن تنجو من هذا الجمال. في شارع 'مولوي' لزام عليك النظر في كل الاتجاهات لكي تسرب الضجيج والصخب وتلاقي الغادين والرائحين في خطوط متوازيةِ هنا تتوقف المركبات ما أن تشتعل حمراء وتسير عندما تخضر إشارة النظامِ منذ فترة والإشارات في بغداد يتيمة ولا يبالي فيها أحد كسارية عتيقة بين فنارات عملاقة. يستطيع الناس هنا المسير دون أن يصيبهم مغص من الأخطاء المتكررة ووخزات اللصوص وحراب المسلحين.لا تمنحك المدينة رؤية أميركي واحد، مسلحا كان أم غير مسلحِ تؤثر ارتداء رقتها لتدلف فيها في المكان الذي تتعب فيه أطرافكِ وفي آفاقها الواسعة، في أرحب مكان فيها، تستنفر المركز أربعة تماثيل لضباط أحبوا الحرية، لكنهم أعدموا!وكذلك تنسجك الصدفة مع تمثال لقاضي محمد، مؤسس أول دولة كردية وينظر إليك الملك محمود، دون أن تطرف له جفن في تأمل الطبيعة ومسير خدمه الأوفياء.
المبهج الأرجواني
لا تحمل سحنات الوجوه في هذه البقعة، ذلك الغموض والوحشة غير المعلنة لسابلة بغداد، ولا تضطر لوزن مشيتك والخطو بحذر، فللمدينة في خلقها شؤونِ وإن طوح بك النهار الصافي نحو شارع كارا، فلا تستغرق كثيرا في المبهج الأرجواني ولا إلى صوت الماء المهيب الراسخليس في المدينة أطفال أكثر من باقي المدن، لكن فيها ملاعب أطفال أكثر من أية مدينة أخرى، فملاعبها تنتشر في كل حي كانتشار الزبالة والحنفيات المسروقة في العاصمة.
في كل درج يمرحون ومع إطلالة أي شارع أو حي، تتمايل أجسادهم في تلك الألعاب الأساسية والضرورية للنمو والتحرر من ظل المنزلِ سيشقون زمانهم رويدا، غير هيابين بما عفا عليه الدهر، وسط الحقول المكسوة بالحقول والألفة النضرة. ولو أحببت أن تكون وحيدا فامض الى 'بيرمير' العجوز وارتد أفضل ثيابك، فهناك يحملقون حتى في الخيط الساقط سهوا من سترتك، وستكون الوحيد وسط سلسلة لا تدور، فتجوال ساعة هناك يسد النقص على حافة طريق الفراق. لكن أمهر ناصية لا يطاق سحرها، ستجدها في 'سوجنار'، فهناك الفرح يتدلى وإن أرهقته الوجبات الخفيفة وأذواق موسيقى المطاعم نصف المشرعة.هي أكليل المدينة واناؤها البارد، ما أن يزدان نهرها العجيب مضارب المهرجان الدائم على ضفتيه، لا يمكن للفوضى احتساء المكان، مهما بلغ عدد الناس وازداد صراخ الأطفال، فالتكاثف الغائص في منعطفات الفضاء، يعطيك إحساس بالصعود والهبوط الخفقان والطيران، مع الذرات المبطئة والصخور المقشرة الملتئمة مع الندى.سيعرفونك ما أن تصعد السلم أو تنزله، فهذا العالم لن تراه إلا هنا، شاغرا أمام كل الاحتمالات، وأقصى ما يمكن أن تفعله، الجلوس أمام ضوء شمعة بغدادية لتسرد الإيماءات الثلاث التي تبعتك أينما وليت كمنظومة أزاهير سارية، ولعلها تسلسل أفكار ملفوفة بالضماد.
معسكرات ولاجئون
في بوابة السليمانية ترقد بيوت قرب جزمة الجبل، صممها عقل واحد، ومرتبة بالتدريج، محفورة، رمادية، مهجورة لسبب بسيط، أنها معسكرات الجيش العراقي المنحل. تمتد البيوت المتشابهة لضباط ونوابهم وعرفاء وعائلاتهم وقاعات جنود جلبوا قسرا لتأدية خدمة العلم، فتلاشى الجنود واختفى العلم.لم تكن مهمة هذه المعسكرات فتح قنوات الري أو بناء أنابيب الصرف الصحي أو متنزهات وملاعب للأطفال أو معامل للصناعات الخفيفة أو جسور وأنفاق جبلية أو بناء وحدات سكنية للمعلمين وذوي الدخل المقروض، بل انحصرت في تهجير الناس من القرى الى اللاهدف وتدمير البيوت الريفية وملاحقة المنكوبين بزلازل الغارات الجوية وإطعام المساجين من كل صنف وتدفئتهم بالعصي والأسواطِكانت هذه البيوت سببا لتدمير بيوت أخرى، وعاملا لرفع مستوى اللاجئين في الإقليم. إذن فالعلاقة جدلية، بل ورياضية، فكلما ازداد عدد هذه البيوت، ازداد معها عدد اللاجئين.غير أن أجمل ما في هذه الدنيا، عندما يحل التوازن فيها وأعطرها في الذاكرة، تلك اللحظات التي يصح فيها الصحيح وينتقم المظلوم من الباغي، أنها لحظة استرداد الحق، وإقامة العدل، ما أروعها: يقترب اللاجئون بخجل من هذه البيوت المهجورة، ويقطع كل منهم حصة أقل مما يستحق، فالعائلة يكفيها سقف وبابيوصد ما أن ينام الصغار، لم يأخذوا أكثر من هذا السقف الذي أزال سقفهم في ما مضىِ وفي كل الأحوال ستنفق حكومة الإقليم الكثير من الملايين لتعيد تأهيل هذه المعسكرات ـ البيوت، ليسكنها اللاجئون، كما ينبغي للمرء أن يعيش بعد عناءِالواقف على قمة جبال أزمر يرى النجوم وكأنها ترتمي أمامه، وان ملايين من نقاط السماء الضوئية تغزل إكليله، لعله سر هذه المدينة التي لم يستطع أحد إصابة شمسها بالشحوب، حتى في تلك الليالي الطويلة، الغابرة.
بارك الحب
كان في ما مضى، حامية للفيلق الأول الذي عاث في هذه الأرض خراباِ وكانوا يدفنون في مكانه كل من يعدمونه في البلاد وكل من يمر دون أن يلقي التحية على جدارية للقائد أو يبتسم على طرفة عليه أو تتكاسل أصابعه من التصفيق عند الضرورة. حولوه إلى واحد من أجمل المتنزهات في كردستان وأطلقوا عليه رسميا 'بارك آزادي' (منتزه الحرية)، فيما يعرفه العامة ب 'بارك الحب'ِ طالت الأشجار على أعقاب المعسكر وشقت الترع الجميلة بدلا من مراحيض الجنود وتسلقت مدرجات 'هايد بارك' المدينة في ساحة الإعدام. على هذه المنصة يمكنك قول ما تحب، وبقدر ما تملك من طاقة تستطيع الصراخ بوجه من يظلمك وإن منعوا قصيدة لك من النشر، فاجعلها هدية لأوراق الشجر النابت بحفاوة. وفي المساحة الداخلة في عمق البارك، تجد بحيرة، ربما شغلت مساحة مستودع سابق للذخائر الحية في جوف الناس.لم يقتلع أحد أحواض الأزهار التي رممت عيوننا قبل أكثر من عام ولم يفكر أحد حتى بالسعال، كي لا يزعج طير غاف في عش مؤسس بالطمأنينة. هو ذا المكان الذي يلتهم نهار المحبين، وفيه يودعون يوم من حياة الشمس ويتجرأون على قول ما لا يستطيعون في الكلية والمعمل والمستشفى، وفي فضائه تتحرك الأنامل لأول مرة معلنة ما لا يستطيع اللسان نطقه. فيه تحف الثواني الدقائق وتحس الساعات الأيام، مقترب للحنان والدمعة الطافرة من الفرح أو الشك، كيفما عمل القلب جاهدا لتتلوى حروف البدايات والمسكن ـ الحلم. وميض كالدجى، يجر لحظتنا الى فتاتين وحيدتين، ربما أو بتنسيق ما، لا تكونان كذلك بعد برهة، لكنهما في اللحظة الخارقة للعدسة ابتسمتا بغنج وردتا التحية بطرب، يا لهذه العذوبة المدوخة!بين التراص اللامتناهي للعبارات الشهية، يشكل ثلاثة شيوخ محاولة لاستعادة السنوات المريرة ولحظاتها السعيدة، أشاروا بأيديهم وأفئدتهم متوادين مع فتنة الضياء المنطلق مع الصورة. فيما ينزوي في شوارع الحب من كل زوجين أثنين بأرواحهم الصامدة من تذكارات المعبود وعطر عنقها المحمر كعيد، أو للعينين اللامعتين من الدهشة أو الدموع. مزاج الأطفال هو الآخر هنا ميال للرومانسية وعبثا يسمعون تحذيرات الوالدين الشابين اللذين خطا في هذا المكان موجتهما الأولىِ تستمر الشمس بالنزول لتغطيها سحب رقطاء، فتنسحب أقدامنا لنميط اللثام عما يجري هناك، بعيدا في أعالي ذلك الجبل.
الصعود إلى أزمر
تقليد لأهل السليمانية، الخروج الجماعي من المدينة يوم الجمعة للصعود على مرتفعات 'أزمر'، في أعلى نقطة فيها تشعر وكأنك ترى كل الدنيا، فأي اكتشاف يتجدد بعد ذلك؟! استعادة للمجد، انفصال عن زعيق الشوارع وصراخ الباعة وأضواء الإعلانات الاصطناعية، ِ أيكون نوع من الاعتراض على الضجر أو ملامسة البرد الشديد السخاء!ثمة فتيان يلهون بتقاذف كرات الثلج مع صبايا ينهمرن على السفح كرحيق زنبقةِ وهواء ينقصه الدفء يهمز احتواء العظام ليغسل انطباعك التواق للبقاء في القمةِتتراصف السيارات وكأنها تلتصق على حواف الجبل، وتتحول المركبات الى مطبخ متنقل وإلى بوفيه يحمل الكراسي البلاستيكية خفيفة الحمل بأصنافها والمأكولات والمشروبات غير البريئة بأنواعها. يسكر الشعب في ثنايا 'أزمر' ويبتهج، فمنهم من يغني ومنهم من يرقص، لكن أهم ما في هذه المتعة الساحرة، أن لا أحد في أي مجموعة يمكنه التفكير بالتطفل على المجموعة المجاورة، بالرغم من أن الجميع يعرف الجميع هنا. لباقة، تعطي هذا التقليد فتنة وهدوءا، لاسيما أن الجلسات غير رجالية. تتهادى الأصوات المختلفة الموسيقى رافعة المكان أكثر مما هو مرتفع سارحة نحو الشجيرات المنتظمة بتناسق لا ينفصم.
علم .. اثنانِِ بل ثلاثة!
العلم حينما يتدلى، كأنه يجمع أرواح من رفعوه، وقد يستغرق الجميع في النقاشات والخلافات، غير أنهم أمام ساريته يتسمرون، هكذا دوما شاعت حكاية الأعلامِغير أن العلم العراقي، يحمل في ألوانه وتقسيماتها، والكلمتين المحرضتين اللتين ألقيتا عليه نوعا من الجدل، وأكثر منه تاريخ يراد نسيانه بأقل الخسائر. في تجوالك ستشاهد أكبر علم عراقي من حيث الحجم ينتصب وسط المدينة، تداعبه أمواج الهواء ويمارس حريته في الرفرفةِ والسليمانية هي المنطقة الوحيدة في كردستان التي ترفع العلم العراقي!ففي أربيل ودهوك وغيرهما من المناطق التي يديرها الحزب الديموقراطي الكردستاني لا يرفعون العلم العراقي ويكتفون للتعريف بأنفسهم بعلم كردستان وعلم الحزبِ ويمكن التأكد من ذلك في مقر هذا الحزب في السليمانية، فهو المبنى شبه الرسمي الوحيد الذي يرفع علمين فقط ولا يهتم بحال العلم العراقي. وقيادة الديموقراطي الكردستاني متألمة من رؤية العلم وترفض رفعه، فإلى جانب المعاني القومية البحتة التي تجسدها ألوانه، التي لم تأخذ بنظر الاعتبار وجود قوميات رئيسية يسكن ملايينها على هذه الأرض، فانه يذكر الكرد بضحاياهم ومفقوديهم، بحلبجة والأنفال وتدمير آلاف القرى الكردية بواسطة آلات الموتالتي كانت ترفع هذا العلم في غضون ارتكابها جرائم الإبادة الشاملة بحق الشعب الكردي. كان العنصريون والشوفينيون باسم هذا العلم، يرتكبون المجزرة تلو الأخرى بحق من يخالفهم النسب أو الدم أو العرق، لذلك حمل من تبقى حيا بعد هذه المطحنة ذكريات مؤلمة، ارتبطت كلها بهذا العلم. ومرة يرفعون في السليمانية علم العراق لوحده، ربما في المؤسسات التي تتعامل مع منظمات دولية لا تعرف بلدا وعلما غير العراقي، وأخرى يرفعون العلم العراقي مع علم كردستان، وثالثة العلم العراقي والكردستاني مع علم الحزب، أي ثلاثة أعلام دفعة واحدة، ورابعة علم الحزب فقط وخامسة علم الحزب وكردستان، وباستخدام نظرية الاحتمالات، نستنتج خمس حالات لا سادس لها سوى عدم رفع أي علم منعا لفقدان الحسبة ودوار الرأس.

الهروب الكبير من كردستان




كردستان - د.جمال حسين علي:


حين يتحول الاضطراب الى زوال و الانطلاق اسم والنظر ظلال والندوب اسوداد والرياح رعب والمطر صاعقة والشفقة بوح والآفاق تمرد، يمكنك تجلي عبور نهر الصاعدين من قلب المدن الأليفة الى غموض الجبال الموحشة. ثمة من نسى دمية تحت السريرِِ وثمار حان زهو قطافها، وعجوز دائمة الشكوى لا يقوى على إسكاتها حتى الكيماوي المعتق منذ زمن العنجهيةِ رحيل كأيام الغيمة الفقيرة التي أبعدت معها الفرح، كتلك الساعات المعذبة النازعة قشرة ما تبقى من رجاء. وما أن ينتهي الليل المتصور، ويحرق النهار وجه المدينة حتى ترى حلمك وقد سحقه الخوف، ذلك الذي يملك كل من داس هذه الأرض، عبأه ليكفيه لكل الحروب الغبية منها والذكية. طل الندى على المدينة الذاوية، النحيفة، الشاحبة، الخالية من صيحات ألفناها ِِ هي نفسها التي كانت ضاجة البارحة، بتنفسها الشيق ورؤوس أهلها وأقدامهم المتعبةِاختفت جوقة الفتيات اللواتي يعبرن خيمتك كضوء سيف، فهل بإمكانك التعود على غربة جديدة بعد المصالحة التي أجبرت الوطن على تقبلها؟ وهل تقبل بعد الآن أن يتبخر الهواء الذي تتنفسه أمامك كاليقين؟وهل ثمة الحد الأدنى من نزاهة الزمن عندما تعود الى الوطن لتتشبث به بأظافرك وأسنانك وراحتيك ، في هذه اللحظة التي ترجع إليه بالكامل، يتركك ويغادر!حتى وأنا على أرضك تغادر أيها الوطن فكن عاقلا .. هذه المرة.. كن عاقلا..عندما فاقت سواعد الثوار عام 1991 وخذلها الحلفاء الحاليون، لم يبق أمام الناس في كردستان سوى التوجه الى جبال الله الواسعة عند تخوم الوطن وما بعده، ليتنازل الآخرون بمنحهم قصعة قهر ورغيف يتطاير مع الأكف.وكان للهروب المليوني (91) ما يبرره، حيث كانت ذكرى حلبجة و70 قرية وبلدة في كردستان ضربت في الكيماوي ورشت عليها طائرات وزارة الزراعة مبيدات البشر. وهو السبب ذاته الذي لا يجرأ أحد هنا على تتبع أقوال المحللين السياسيين لكي يعانق أطفاله في متاحف حقوق الإنسان فيما بعد ضربة انتقامية لا يمكن أن يتكهن أحد ولا يريد أن يضع مصير أطفاله بيد أو ضمير أو نزوة.وهكذا غادر الناس بيوتهم التي انتظروا قرونا لكي تدفئهم وما أن بدا دفئها الأخضر يحزم رحاله إليهم، تكسر الأمل ليصرخ بهم النداء من جديد نحو الجبالِقال كل من تتبعنا هروبه البريء والحتمي وكل من ينتظر: تعودنا!
في الهجرة المليونية السابقة كان مسعود البرزاني مع الناس حاملا بندقية كأي بيشمرغه عاديِ يتجول بين بردهم وجوعهم ويرى بعينيه ويدفن بيديه الطفل تلو الآخر من البرد والجوعِ ومع ذلك عندما قرر من أجلهم الذهاب الى بغداد والتفاوض مع صدام لكي يعود الملايين الى بيوتهم افترشوا الطريق حتى يمنعوا سيارته للتقدم نحو بغدادِ لم يعترضوا على مقابلته لصدام فحسب، بل كانوا يخشون على حياته من غدرهِ ولم يكن أمام البرزاني الابن سوى السير قدما معتمدا على البديهية المقدرة 'لو كانت حياتي ثمنا لعودة الملايين، فلتكن'!يتذكر حتما مسعود البرزاني كل هذه الأسابيع العصيبة وهو يطمئن الناس عبر التلفزيون المحلي ويناشدهم التحلي بالصبر واجتناب القلقِ وعلى الرغم من أن كلماته قد تهدئ روع مليون، إلا أن مليونا آخر لا يثق بالكلمات ولا بنزوات صدام وشروره ِِ لهذا السبب تصبح الهجرة 'المليونية 2' لا مفر منها.
الهجرة الأفضل
غير أن الظروف الحالية تختلف بلا شك، فالناس هدئوا طوال السنوات الاثنتي عشرة الماضية (عدا سنتين مضطربتين لأسباب معروفة)، وهم هذه المرة لا يتوجهون الى المجهول، بل إلى أقارب لهم أو أي معارف، فحسب الجواب عن سؤالنا التقليدي: الى أين؟ فأن لكل عائلة في كردستان قريبا في قرية نائية، وحتى المقطوع سيجد له غرفة ما بطريقة ما أيضاِ كما أن المهاجرين هذه المرة لم يؤخذوا على حين غرة، فقد تابعوا عبر الفضائيات كل الألعاب الدبلوماسية والحرب النفسية والإعلامية للحرب القادمة وتهيأوا منذ فترة ولهم كما للبيت الأبيض ساعة الصفر للرحيلِ ويمكن اعتبار المؤتمر الصحفي للرباعي في قمة آزور موعدا لساعة الهجرة الجديدة.
لماذا؟
لا يعير الهاربون أي اهتمام لأي تصريح أو تحليل سياسيِ فلديهم خوف لا يستطيع أي كان انتزاعه حتى لو أغرقهم بالمحاضراتِ لذلك يحسبونها كونهم يعرفون حتى أدق تفاصيل القدرة الهجومية العراقيةِ يدركون أن للقوات العراقية صواريخ (مهما كانت مسمياتها) ولديه مدافع بعيدة المدى، وأهمها المدفع النمساوي الذي لو ضرب من التون كوبري حيث يتجحفل الجيش العراقي باتجاه كردستان لسقطت قذيفته في شقلاوةِ أي أن مداه يصل الى أربيل ومصيف صلاح الدين حيث القيادة السياسية والميدانية للكردِ وكذا الحال بالنسبة للسليمانية لو ضربتها المدفعية العراقية من جمجمال والحال نفسه بالنسبة لدهوك التي لا تبعد عنها قوات النظام أكثر من 18 كيلومترا، لا سيما أن أربيل تبعد عن شيروه حيث ترابط قوات النظام نحو 12 كيلومترا. باختصار، لو يقرر النظام ضرب كردستان بالمدفعية والصواريخ فهو قادر على إصابة كل المحافظات الرئيسية. وخشية الناس لا تنحصر في القصف التقليدي، بل القصف الشامل بالأسلحة البيولوجية والكيميائيةِ وهي التي لا يستطيع أي شخص هنا تفاديها.
الى أين؟
لا متسع للناس سوى طمأنة نفسهم بنفسهم ومغادرة المدن الرئيسية والتوجه الى المدن البعيدة مثل سوران وراوندوز ومرغه سور وغيرهاِ علما بأن لكل من هذه المدن مئات القرى الجبلية الصغيرة المتناثرة. وبالنسبة للغذاء فقد أرث الجبليون تراث التعايش لمدة طويلة في المغاور والكهوف ولشتاء كامل من الحصاد الى الحصاد باحتفاظهم بالأرزاق لمدة طويلة، بالإضافة الى تأمين أنفسهم بأرزاق جافة يمكن بواسطتها تحضير الوجبات الرئيسية، فمن الحنطة يمكنهم تأمين الخبز ومنها يستخرجون البرغل ويجمعون الطماطم لتحويله الى معجونِ ولديهم طريقة شعبية يحفظون بواسطتها اللحم أسمها 'القاورمة' بأخذ قارورة أو 'بستوك' ويغطون جوانبه بالدهن الحر ومن ثم يكبسون داخله اللحم المقلي كبساِ ويمكن لهذه القارورة الاحتفاظ باللحم بدون أن يصيبه شيء طوال فصلين.
بلاغ حزبي
تحدثت مع حزبيين مختلفين، والجميع أكدوا أنه صدر قرار من الحزب والدولة يمنع فيه أي مسؤول مغادرة المدينةِ وكنت مع أحد الوزراء وقال لي إن وزارته ستستمر بالعمل لأنها مسؤولة عن الجهد الهندسي وبناء المواقع والملاجئ وغيرهاِ كما أن الوزارة نفسها تنشئ حاليا معسكرا للاجئين الذين قد ينزحون من المناطق التي تسيطر عليها القوات العراقية الآن وتنتشر على مساحتين في وديان سوران وتتسع لمليون شخصِ وسيكون المعسكر مجهزا بربع مليون خيمة وكافة الأغطية التي يحتاجها هذا العدد، بالإضافة الى المواد الغذائية اللازمة والمرافق الصحية وغيرها.
زحام طبيعي
ولا يعتبر المسؤولون هنا الهجرة الحالية كارثية، بل العكس، يرون بأن الناس خبروا الانتقال وقت الضرورةِ فمثلا يقطن في أربيل وحدها 800 ألف شخصِ ولو تبقى منهم 80 ألفا، فهذا سيساعد في تقليل الخسائر الى حدها الأدنى في حالة حصول ضربة بأسلحة دمار شامل، وكذلك تسهيل الأمر على من يبقى لخدمةالمدينة حيث يكون العبء عليه أقل بكثير مما لو بقي العدد الأصلي من السكانِفمثلا، بدأت تتلاشى سلع ضرورية كانت قبل أيام في متناول اليد مثل الماء والبنزين والغاز والخبز.والغريب أن الدينار اختفى بدوره من السوق، كون 'بورصة كردستان' أغلقت دكانها ورحلتِ وكل الناس حولوا أموالهم دنانير لسبب غير معروف واحتفظوا بها.
شبح المدينة
كما لو كنت طافيا في شوارع عاصمة كردستان، يتلقفني الهواء الممسود بالغبار والمطر، تضاد لكنه حصل. ومفارقة أخرى هي أنني تعرفت على أسماء المدينة عندما خلت من المارةِ لعل مراقبتي الناس ألهتني عن تتبع أسماء الشوارع والساحاتِ وبغيابهم، لا يوجد شيء يكسر الوحدة سوى مراقبة اليافطات والصور والتنزه مع الحروف.
شوارع العصف
لا أحد يستطيع الجزم بالسبب الذي جعلهم يسمونه الشارع الستيني وآخر أكثر رونقا يطلقون عليه الثلاثيني، حتما ان الأمر لا يتعلق بالأعمارِ ومفهوم تسمية شارع الأطباء كونه لا يكاد يحمل إعلاناتهمِ ولأن شركة باتا افتتحت لها فرعا في العهد البائد في ذلك الشارع المتقاطع معه، فقد أصبح شارع باتا والغريب أن النظام غار من اسم باتا الذي يعتز به المواطنون العراقيون حتى الآن لكونه أفضلحذاء دخل العراق حتى الآن، لذلك لم يتوان الغيورون من تبديل اسمه ليصبح 7 نيسان ( يوم تأسيس حزب البعث) ومع ذلك لم يتنازل الناس عن تسمية شارعهم على الحذاء المحبب لهم ولم يجرؤ أحد على ذكر يوم تأسيس البعث. وهناك شارع سيروان المنزلق نحو طريق كركوك حيث ملعب كرة القدم السيطرة، بينما يسير شارع آزادي ( الحرية ) ليذكر الناس بأوائل المثقفين الكرد، حيث وزعت الأراضي المحيطة به للمعلمين في الستينات، وهو في شكله ثري وفي مضمونه فقير، لأن من يسكنه الآن أفقر البشر.
أحياء بوتينية وأخرى رحبة
وينتصب تمثال للشيخ محمد أقدم مناضل كردي بناه الطالبانيون عندما سيطروا على المدينة ممتطيا حصانا أشبه بحمار مسلولِ وأبقى الكرد تسميات مثل العدالة وشورش (الثورة) وعرب: وهذه محلة كان يقطنها العرب منذ القدم. أحياء فقيرة للغاية كتيراوه التي لا يعرف أحد ماذا تعني ولماذا سميت بهذا الاسم وكوران وبوتيناوه، التي أخذت هذا اللقب من 'البوتين' لأن الأمطار عندما تهطل في هذا الحي، تفجر البحيرات ولا يستطيع أحد الدخول الى هذا الحي بدون ارتداء البوتين!أما الأحياء الغنية، فجد 'نيو أربيل' و'دولاراوه' والتي يسكنها الأثرياء الجدد والمسؤولون وظهرت بعد الانتفاضة طبعا.
ملامسة تقريبية
مهما تجاهلك العدم في الشوارع والأحياء لا تشعر بعقوبة أن تكون وحيدا، فالعربات تتداخل في شكك لتعلمه الكد الجهيد كي لا يبتعد عن زينة المدينة المضببة.هولير يا أيتها المدينة الساكنة يا لزجاجتك المنتقاة وعشبك الذابل كضفاف ليللأجل وحشتك سهرت لأحرسك وأفاوض نداك المتأصل.