الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

أين اختفى سلاح الجيش العراقي؟


إن كان ما يخبئه الليل ، يفضحه النهار ، فأن ما يكشفه هذا الفصل يحتاج الى ليال و نهارات ، كلاب حراسة وعيون غير مستئذنة ، التباس مزوق من وحي حامي حماه مدمر الجيش الباسل ، الذي لم يدرك سر العلاقة بين الليل والنهار ، وكأنه يخفي ضجيج الحديد في دوارة الغابات وجوهر النهر.
صدأ السؤال في الحناجر وأسلاك الفضائيات لكثرة تكراره ، ماجت الشكوك وأبحرت خيالات المحللين بما تيسر لهم من كراسات الدرس العسكري القديم ، لحنوه وأطربوا لسماع تعابيرهم الجميلة ، هو ذلك السؤال المحير للصامد والهارب ، للجائع والمبلول : أين اختفى الجيش العراقي وأسلحته ؟
وماذا حل ببغداد ، بعد أن سميت بـ " القلعة الحصينة " ، تيمنا بالرواية الخالدة فعلا التي خطها مدبر الجيل ومدمره.
أين اختفى السلاح وقوات النخبة والأجهزة الخاصة والصواريخ التي بحث عنها ايكوس وباتلر وبليكس ؟
هل تلاشت كما كان الأمر مع زمرة الدكتاتوريين من آسهم حتى جوكرهم ؟
ومن الأخير الذي قال : وداعا أيها السلاح !
هل استخدموه ، كدسوه ، أخفوه ، طمروه ، زرعوه ؟

كلهم هناك
الرجال الذين أتوا الى بغداد من عزلة الصحاري ورطوبة القرى ، تحولوا في السنوات التي أهدروا بها حرمة البلاد الى أخطبوط عملاق. وكان هذا يمد بأذرعه اللانهائية الى ما يمكن أن يستطيع. طمعوا بسخاء لا محدود بكل شبر فيه ماء وخضرة ، وكل ما يمت لجمال الطبيعة بصلة. ولم يتركوا زاوية إلا وبنوا لهم فيها منتجعا أو بيتا ، قصرا ومزرعة ، لهم ولمن بمعيتهم ولحيواناتهم ولمن يولد بعد قرن.
فما أن تجتاز كورنيش الأعظمية ، عابرا جسر الأئمة ، واضعا الكاظمية على يمينك ، يداهمك النهر المحتل بأسلاكهم وجدرانهم العالية. لا تحتاج سوى أن تجرجر خطواتك أسفل نحو الغابات باتجاه التاجي ، لترى واحدة من حماقات التخطيط العسكري للمهيب السابق ، وستؤكد لك الطبيعة وما دار فيها ، أن الأخطاء القاتلة هي التي تؤدي الى الهزائم في الحرب و في الحب أيضا.
غابة المدرعات
الغابة الكبرى التي يتوقع أن الكثيرين من الأعوان وربما حتى صدام مختبئون فيها ، تبدأ ببيت عريض لعبد حميد حمود ، هناك يقضون أوقاتهم ، ويسرحون في يخوتهم ، قال لنا أحد العاملين معهم بأن كل القرارات التي قتلتنا أكثر من الرصاص توقع في هذه المزارع. فالحكومة والقيادة انتقلت كليا الى الغابة التي يلتف النهر عليها ويمشي مع ظلال نخيلها.
تطوي السيارة طريق الأفعى وسلطته المطلقة ، وأول انطباع يفاجئك بأن غنائم السلطة يتم تقاسمها هنا ، وبالذات في ما يسمونه أنفسهم " جنة التاجي ".
سترون " أغنياء بلا حدود " وأباطرة زمن المجد الخارجين من جوف مراكب التهريب الشراعية في العوجة والممتدين بالوطن طولا وعرضا، وطننا الكبير ، العربي الأكبر ، في متناول يدهم ، بالجمر الذي لا تخوم له وإليه.
مكان يغير الزمان ، وزمان أوثقوه بالمكان ، لغابات من خضرة لا طائل لها وأنهر صناعية تدخل في منتجع من يرغب في قص حصته من دجلة العريانة. زمان رجيم في خلاء ناموسي ، نابض لهم وحدهم ، وما علينا إلا التنهد بالسؤال : كيف وزعوا حتى النهر فيما بينهم ؟!
شارع القيادة
يبدأ في آخر نقطة شوهد صدام فيها قبل أن يختفي في " أحراش الجنة " ؛ نهاية الكاظمية !
من هذه المنطقة البغدادية الأصيلة وحتى نهاية التاجي ، يبدأ شارع القيادة تحت ظلال الزيزفون والنخيل والأعناب في بقعة مطهر البلاد واهتماماته المشعثة.
بعد منتجع حمود ، هذه جنة قصي ، ومن ثم تأتي جنانهم حسب الرتب الحزبية : عزت الدوري وطه ياسين رمضان وطارق عزيز ووطبان وسبعاوي وطلفاح وسمير الشيخلي والحبوش وحكمت الأول والثاني ومزبان الذي فتت الحصار بقشور الرقي وصاحب الشرطة الذي تباهى بأنه يحمل " الحزام النافس " ( هكذا قالها أمام جمهرة من الصحافيين الدوليين ويقصد بالطبع الحزام الناسف ) وسعدون حمادي الذي كوموا بيته ودمروا كل طابوقة فيه ، حيث اجتمعت القيادة آخر مرة ولعلهم رأوا بعضهم البعض للمرة الأخيرة، هل لا يمكن أن يحترم التاريخ على مصادفاته ، دخل حزب البعث الى العراق من بيت حمادي وقدر أن يخرج منه أو يطمر بعد أكثر من نصف قرن تحت أنقاضه.
ولا يوجد من يهتم بمصير الجثث المدفونة في المبنى – المقبرة ، ربما الكثير من المطلوبين غائصين في وحل الاجتماع النهائي للحزب !
العشاء الأخير
جلست على أرجوحة رئيس المجلس الوطني العراقي ونظرت الى كومة البيت لنصف ساعة ، داهمني خاطر لا يمكنني تطبيقه لا جسديا ولا ماليا، وهو نبش البيت الذي تحول الى تل من صخور مستوردة ، سمعت طلقات رصاص قريبة ، أعرف أنها تحذيرية وللمخاطبة . غير أن نفور سؤال داهم اختناقي : لماذا لا يرفعوا الصخور لينهوا حسبة المطلوبين تحت هذه الأنقاض ؟
تصلني شتائم فلاحين كانوا قبل أسابيع يمتطون الشبح ويسيرون الإشارات الضوئية بمشيئتهم ، لم أرغب في استفزاز أحد ، طالما رأيت سفنهم التي ترتجف من زئيرها أسماك دجلة ، جاثية مستعبدة، لكني حدقت طويلا في حواجب البيت ورقبته ، ذلك الذي أضاء اجتماعهم الأخير.
الخطأ الطنان
في المكان الموصوف أعلاه ، مكثت كل القيادة العراقية في الساعات الأخيرة من قيادتها. وعقدت الاجتماع السياسي الأخير كما ذكرنا وكذلك اللقاء العسكري الأخير ، وبحوزتنا خريطة العمليات الأخيرة التي كانت موضوعة على الطاولة الرئيسية في مقر القيادة العسكرية العامة.
ولأنه معقلها ومهجعها ، ويلاتها وخسارتها ، منبع الأوامر التي لم تنفذ وضجة الأقدام لا العقول ، فقد حشدوا فيها نصف قوة الجيش العراقي المهيأ للدفاع عن بغداد وما تبقى سالما منه من معارك الجنوب الشهيرة.
أحصيناها قطعة أثر قطعة وإليكم المجموع : 402 دبابة ، 298 ناقلة أشخاص مدرعة وعشرات مدافع مقاومة الطائرات وصواريخ سام والدوشكات و 30 سمتية خيطوها بالسعف.
وضع صدام في مزارع وجنائن التاجي قوة عسكرية تفوق القوة الإسرائيلية التي أصابتنا مقتلا في 5 حزيران. وكان يعتقد فعلا أن معركة بغداد ستطول ، لذلك لم يدمر الجسور والطرق السريعة ، كان يريد أن يدخل الأمريكان الى بغداد ليبيدهم فيها ، ولم يكن الصحاف كاذبا مباشرا بالمعنى الحرفي للكذب ، بل كان ينقل أمنيات القائد وخططه بشكل متعسف الغباء. لقد كشف الصحاف خطط قيادته على نحو غريب وغامض ، سواء في المطار ، أو تصريحاته المعروفة الأخرى.
هو الأسلوب الذي حارب فيه صدام إيران ، والذي حاربته فيه في المحمرة والأحواز والطاهري وديزفول والشلامجة : تكديس أكبر قدر من القوة النارية في حمى الأدغال وغابات النخيل.
لكنه أغفل كما يغفل من يرتكب خطأ العمر ، القدرة التكنولوجية الأمريكية ولم يستوعبها ربما حتى الآن. فلا أدغال ولا نخيل تمنع أجهزة الرصد الأمريكية الفائقة الحساسية والتي تكشف المعادن أو الإبرة في كومة قش.
لذلك تم اصطياد المدرعات الواحدة تلو الأخرى ، لأن من يضع دبابة في بستان يفقدها القدرة على المناورة ويحصرها في مستنقع وتتحول حينئذ الى ملجأ حديدي فيه مدفع. بمعنى أنه أراد لهذه القوة أن تضرب من على الأرض بتحويل الدبابة الى مدفع.
ولما رأى الجنود ( النخبة ) بأن النيران تصب عليهم من السماء والأرض والغيوم والسعف ، لم يتداركوا أقدامهم وتفاهموا بلغة الهرولة الى أبعد من الغابات وجحيمها.
لقد دخلنا في عمق الدبابات وتفحصناها جيدا ، الكثير منها لم يصب وسالمة بنسبة 70 % أي أكثر من 250 دبابة صالحة للجيش العراقي المستقبلي ، فيما اكتشفنا أن كل الدبابات على الإطلاق لم تستخدم، أي لم تطلق النار ، ولم نعثر على أية بقايا لقذيفة أو مدفع رشاش.
تجرؤ آخر
متكبدين خطة متهورة ، لا أظن بأن جنرالا واحدا في الجيش العراقي يجهل خطأ تكديس نصف القوة العراقية في أحراش وغابات التاجي ، ناهيك عن تحويلها الى مدافع وكأنه يتصور الأمريكان يقدمون عليه مهرولين لتحصدهم أماني الصحاف. فما الذي جعلهم يسلقون الموافقة المقروضة من العقل النير للقائد العام للقوات المسلحة ، رغم أن أحدا لا يمكنه الاعتقاد بصوابها ؟!
ظل صدام على طبيعته ، مخلدا لمجد البلاد المندثر ، كان حتى في معركة الحواسم يفكر بالدفاع عن جنائنه وليس العراق. الالتجاء الى هذا الأسلوب - تحشد القوات بالقرب من بيوتهم الريفية البديلة - له تفسير واحد لا غير وهو أنهم كانوا يتحسبون للدفاع عن أنفسهم من انتفاضة شعبية مسلحة أو شبه مسلحة ، لأن طريقة انتشار وتوزيع القوة تدلل على أنهم ليسوا بصدد مقاتلة أمريكا العظمى ، بل شعب هائج ثائر عليهم ، لذلك كانت هذه القوة تكفيهم للبقاء سنوات في حالة قيام ثورة شعبية عادية بلا تدخل خارجي.
هذا أسلوب التصرف الاستثنائي بشؤون الحكم ، والتخلص من الفوضى بالعنف ومن الورطة بالكارثة ومن الطاعون بالمنارة.
مناورة النهر
أن خطة صدام بالسيطرة على دجلة ومنع الشعب من التفكير بتذوق مياهها والاقتراب حتى من مستنقعاتها ، جزء من " استراتيجية الاستبداد " وليست الجزء الأكبر منها ، واللاحق الى هذه الاستراتيجية ، الأقوى ، هو أنه متنبأ بهذا اليوم الذي تطارده فيه الشبح والأشباح من السماء والطرق التي شقها بمكارمه الرئاسية. لهذا أخلى النهر منذ سنوات ليومه الأسود الذي لابد أن يراه شخص له القدرة على البقاء كصدام.
كانت زوارقهم الخاصة مخبئة في أماكن تبدو للوهلة الأولى كأنها للهو ، لكنها لم تكن كذلك ، فقد أخليت الحبال والأسلاك وتركت مدلاة على المرافئ المدشنة للهرب ، كمن اختلس جزء من شيء ، هكذا بدت لنا لحظة الهروب على الأقل : مستنقع بائس كإسطبل ترك خيوله ، منابت أقدام مسرعة، أنقاض من دمر شيئا بتعمد على السريع ، باختصار : هياج سلطة أضاعت ختمها الرئاسي !

كيف أخفى النظام طائراته؟


هل استبد بالنظام اليأس ، أن دفن قوته الجوية في باطن الأرض وخيط طيران الجيش وكل المروحيات القتالية بالسعف وأخفاها في الغابات؟
أم أنه الطريق المطروق والخطة المستباحة وفخر الأوطان وأموال الجياع وما ابتلانا به فكر القائد !
سيتاح لنا الآن أو بعد حين ، فك ألغازه ، الواحد تلو الآخر ، فيما لو أدركنا أو صورنا أو كتبنا أو التقطت أعيننا ، شيء من الزيف والتذلل وتشممنا أنفاس الانهيار وحمية الطغاة وشقاوات نهابو البلاد.
سيتاح لنا ، طالما الوجع في صلبنا والتعسف تدبيرنا ، ورفرفة تيقظنا خمرة قرارات عاثرة ، أفلتت الزبد وهضمت الغياب.
طائر السعف
يذكرنا مشهد خياطة السعف كبدلة للسمتيات التي دفع ثمنها من كدّ الوطن وكبده ، بطائر القصب. هذا الطائر معروف للجنوبيين ، بأنه يكثر في المستنقعات والأحراش ، وما أن يحس بخطر وشيك يداهمه ، يضع مخالب قدميه في رقبته ويضغط عليها بقوة ليغرزها فيها. هكذا كان يفضل الانتحار على مواجهة الأخطار ، وربما القفص الأزلي.
لكن هذا التشبيه يفيد المروحيات وليس من اشتراها ، فلم نسمع حتى الآن بأن أي من أزلام النظام المنهار قد آلمته لحظات الانتحار الأخيرة أو حتى فكر به ، فهؤلاء تسابقوا على تسليم أنفسهم أو الاختفاء في الجحور.
تشبه المروحيات التي أغدق عليها القائد المبلول ما تيسر من ميزانية البلاد ليبني طيران الجيش ، طائرنا المذعور.
هذه السمتيات التي أخفيت كبطة هلس ريشها باضطراب ، كانت تصب حممها ونيرانها وغازاتها السامة ونتائج أبحاث الأسلحة الكيمياوية على أهل الدار. ولم يستثن أبطال التحرير أحدا من زاخو حتى الفاو. كانت تحوم على فقراء الجبال والأهوار لتنغص حياة البشر المسالمين الذين لا يملكون غير ما وهبه الخالق لهم من خضار وماء ومنجل وفالة ومحراث عتيق وحمار صبور.
قال لنا عبد الستار الذي اصطحبنا في مزرعته وبساتين العائلة ، بأن هذه السمتيات هبطت في أرضهم على حين غرة وبلا مقدمات. ويصف التشوش والقلق الذي انتاب الأطفال والنساء في الحقل ، وكيف حزموا حاجياتهم لمغادرة المكان ، فمن يستطيع المبيت ليلة واحدة في قاعدة جوية وقت الحرب ، حسب تعبير مضيفنا.
هكذا حولوا مزارع وبساتين الآمنين الى مأوى أو مخبأ ، بل وكر حيوان مذعور ، لأسلحتهم التي كانت قبل فترة ليست طويلة تفتك بهم.
ولم ينته الأمر بتركهم أسلحة ثقيلة ، بل استراتيجية في أماكن خاصة فيها مدنيين بدون موافقتهم ، بل أجبروهم على توقيع تعهد ألزموهم بموجبه ، الدفاع عن " الأمانة " وحمايتها !
ولم يسأل مخترع فكرة التعهد ، مبتكر نظرية إخفاء هذه الطائرات في المزارع ، عن فائدة هذا العهد. فممن يحمونها وكيف يدافع عنها مزارعين بسيطين ، إذا كان الحراس الأصليين ألقوا بها وخيطوها بالسعف وتركوها نهبا لمن هب وتوحل.
هل كان هؤلاء يظنون بأن توريطهم للمزارعين والملاك بهذه الأسلحة ، يدفعهم لقتال غبي ضد أقوى طيران في الكون بالمنجل وسكين المطبخ !
حتى فلاح بسيط كسلمان العسل ، يتندر ويستهزأ عندما تذكر منظر الجنود المرافقين للطيارين الذين هبطوا بالسمتيات في وحل البساتين وهم يصرخون بالفلاحين من أجل جلب المزيد من السعف وتركه بالقرب من الطائرات. وكيف كانوا يربطونها مع بعض بخيوط تشبه الكوخ ليغطوا بها سمتياتهم التي انسحبت قبل بدء المعركة.
أكد لنا سلمان بأنه علم بأن الحرب انتهت لصالح المهاجمين ، ما أن رأى هذا المنظر بأم عينيه وجمع السعف بيديه. وقال بأنه غير العارف بالأمور العسكرية ، كان على يقين بأن هذا السعف ، لا يمنع الرادارات والأجهزة الأمريكية المتطورة من اكتشاف مدفن السمتيات الحية.
علاوة على أن التكتيك الأمريكي في هذه الحرب اعتمد على ضرب الأهداف المتحركة والتي يصدر منها إطلاق نار أو تسبب إزعاج أو خطر لقواتها ، لذلك لم يمسوا أي من السمتيات اللابدة في الغابات الممتدة من شمال بغداد مرورا بالطارمية حتى الرمادي.
ولم يفهم لماذا وزعوا السمتيات على الحقول والمزارع بالتساوي، بحيث كان نصيب كل صاحب بستان مروحيتان.
يقول عبد الستار ، بأنهم اضطروا في بداية الحرب هجر المكان لاعتقادهم بأن القصف سيطوله من كل بد لانتشار الطائرات فيه ، غير أنه أكد بأن المزارع التي كانت تخفي الطائرات ، لم تتعرض للقصف على الإطلاق. ولكنه أردف بأنهم عادوا الى مزارعهم ما أن انتهت الحرب واختفى الخوف من النظام. ولم يتعرض أحد للطائرات. ومزح بقوله : أية " أمانة " أودعونا .. لا نستطيع رفعها ورميها بعيدا وليس بمقدورنا استخدامها ولا يمكننا أن نبيعها.
قلنا له : لماذا لم تدلوا الأمريكان عليها ليخلصوكم من ورطتها ، لا سيما وأن بعضها مسلحة وقد تشكل خطرا عليكم في أية لحظة. وإذا بإجابته تزيد تعقيد اللغز ، عندما أكد بأن هذا ما فعلوه ما أن رأوا الأمريكي الأول ، لكن " المحتلين " ، حسب قوله ، لم يعيروا لها أي اهتمام ، واكتفوا بالحضور ومشاهدة المنظر ومن ثم غادروا بلا رجعة.
سألنا إذا كان أحدا من أعوان النظام قد مر بهم وتفقد " الأمانة " فلا أحد يعلم ما الذي يفكرون به الآن بعد تطور الأحداث وتشكيل مجموعات للمقاومة ، وربما يعودون الى أسلحتهم القديمة التي لا يهتم الأمريكان بنزعها منهم بجدية ، قال بأن الفلاحين أنفسهم فككوا مروحات السمتيات حتى لا يسرقها أحد وتركوها بالقرب منها ، ويا للمفارقة ، لكي لا يتهمهم الأمريكان فيما بعد بأنهم سرقوها !
صحيح أن هذه الطائرات والكثير جدا من الأسلحة مهملة في الغابات وليس لها صاحب ولا نصير وتحولت بالتدريج الى مهجع للحيوانات السائبة والطيور الخاملة ، لكن لامبالاة أصحاب البيت الجدد تحمل بعض الغرابة والتساؤل ، فيما إذا كانوا لا يخافون أن تستخدم ضدهم يوما ما.

سكراب الجيش


لا شيء يمنع ما يحدث ، ولا أحد يريد الإيغال في أصل القضية ، في تلك الأماكن القصية ، حيث يحل سكون الأسلحة التي أمالت حدود البلاد بالغمائم ، بغرغرات الرشاشات وهدير الطائرات واستيقاظ الليل بشدو المسرفات والوهج المؤلم للصواريخ وهي تدك الجيران.
طرقنا أبواب هذه المسألة في أيام الحرب الأولى ، بالسبق الذي عثرنا فيه على أسلحة الجيش العراقي الذي كان الجميع يبحث عنها. والآن نتابع الإيقاع بالنبرة نفسها ، لكن بحمل أسئلة مختلفة كثيرا عما سبق ، نحقق في مصائر أسلحة القوة العسكرية التي عدوها ضمن الخمسة الأوائل في الكرة الأرضية و ما حل بها وأين طمروها ومن يسترزق منها : موارد البلاد والثروة التي ما أغنت على ماله وما كسبت ، إلا تصريح في ملف مطوي عدة مرات ، يتصفحه مأمور الجمرك المعين من أحد الأحزاب الثورية ، موافقات مدراء ليس لهم وجود ، تحكي قصة الحديد المشترى أضعاف سعره في السوق السوداء أيام " حرب التحرير المجيدة " والمباع بعد حرب تحرير معاكسة ، لمن أخبرنا بأسمائنا الجديدة ، عن المشاركة في الانسياب ورداءة الصحراء ومواصلة البساتين ، إن تنمو فيها المدافع مع العاقول والصبير.
في تأملها المجسد بالصور ، لماض سيأتي الحديث عنه بعلب البارود الذي اشتموه في ليلة سحرية ، رائحة هيل ، عزم الصور في بلوغها شهدها ، في البرهة والوقت القصير من الزمن الطويل القائم على سلب احتياجات القضية المطروحة مبتاغها : كيف تحول ثروتك كلها الى خردة للمشترين وكيف تبيع عصارة خسرانك لفقدان جديد !
أصلها وفصلها
من المعروف بأن بول بريمر هو الذي كان يصدر الأوامر والمراسيم الرئاسية في العراق منذ هروب الرئيس ولغاية تشكيل الحكومة المؤقتة في 28 يونيو 2004. ويوقع الحاكم المدني الأمريكي يوميا على عدد منها ، يحل ّ في قسم منها ويربط في أجزاء أخرى.
وبما أن الحلّ والربط بيده ، فقد أصدر " الأمر " المرقم 12 المعني بــ "سياسة تحرير التجارة " الصادر في 7 يونيو 2003 والمعنون على أمر جديد صدر في 23 يناير 2004 والمطبوع بحروف غامقة حملت عبارة "تصدير المعادن الهالكة أو الخردة " ، عدّل بموجبه ما جاء في " أمر " يونيو مبتدئا بالعبارة البيروقراطية المضطرة : " بموجب القوانين والأعراف المتبعة في حالة الحرب " ...
لا ينبغي علينا تفويت التعليق على مبتدأ " الأمر " في هذه العبارة القابلة للجدل : أولا ، أن الرئيس الأمريكي جورج بوش أنهى الحرب بتصريح علني في الأول من مايو 2003 ، فلماذا يتبع حاكمه في العراق الأعراف المتبعة في حالة الحرب ؟ ثانيا ، لم يفهم المطلع على الأمر ، ماهية القوانين والأعراف المتبعة في حالة الحرب ولم يشر إليها " الأمر الرئاسي ".
قرار السكراب
لنترك شأن هذه العبارة للحقوقيين ، ونمضي في قراءة " الأمر " الذي بدأ يشرح نفسه كالتالي : " إشارة الى الحظر المفروض حاليا على تصدير بعض المواد ، بما في ذلك المنتجات المعدنية واعترافا بأن التصدير المشروع للمعادن الهالكة أو الخردة ، قد يكون بالنسبة للشركات والهيئات التجارية العراقية مصدرا هاما للدخل وتأكيدا على الحاجة للسيطرة على نشاط السوق السوداء ، أعلن بموجب ذلك إصدار الأمر التالي :
يعرف القرار المعادن الهالكة كالتالي : المواد المصنعة والمستخدمة كمنتج ما أو كجزء من منتج ولكنها طرحت جانبا بسبب عجزها عن توفير الفائدة المنشودة منها على نحو يواكب متطلبات العصر أو بسبب تعرضها للضرر والتلف ".
ويصل " الأمر " الى النتيجة التالية : " يجوز تصدير المعادن الهالكة أو الخردة من العراق قبل هذا التاريخ ، بدون الحصول على ترخيص باستثناء الهالك أو الخردة من النحاس والرصاص "
رئيس الإدارة المدنية لسلطة التحالف
في العراق
بول بريمر
أسئلة وتعليقات
هذا القرار أو الأمر هو ملخص القضية التي ستصل الى مجلس الأمن فيما بعد ، كما سنرى لخطورتها ، وهي جوهر تحقيقنا ، لذلك لابد من موافاة هذا الأمر حق قدره بجملة من التساؤلات والتعليقات نوجزها كالتالي:
1 . لم يحد القرار أي من " الشركات والهيئات التجارية العراقية " الذي له الحق في التصدير.
2 . لم يشر ، لسبب ما ، الى أسلحة ومعدات الجيش الثقيلة وإن كان يعنيها ضمنا بالعبارات " طرحت جانبا بسبب عجزها " و " بسبب تعرضها للضرر أو التلف " . وتم التعامل مع الأسلحة كحديد خردة ، كما سنعرف فيما بعد ، بالرغم من وجود نسبة كبيرة منها صالح للاستخدام ، ناهيك عن الأجهزة الخاصة التي تدخل ضمن تركيب الأسلحة ولاسيما المدرعات والطائرات والهيلكوبترات والصواريخ وأجهزة الرصد والرادارات والملاحة الجوية والبحرية والزوارق الصاروخية وغيرها.
3 . لماذا لم يحول القرار الأمر الى لجنة متخصصة أو هيئة مخولة تحدد المواصفات المذكورة التي تم تعريف " المعادن الهالكة " بها ؟
4 . الاستثناء الذي وضعه القرار بتلك " المواد المصنعة والمستخدمة كمنتج أو كجزء من منتج " بالهالك منها أو الخردة من النحاس والرصاص ، ألا يجوز دعم الاقتراح الماضي بوجود هيئة للمتخصصين تقوم بمهمة الفحص والتقدير ؟ فالذي حصل أن كل الأسلحة مكدسة لدى مجموعات اللصوص وقطاع الطرق ، فهل يوجد من بين هؤلاء أو مأمور الجمرك الذي يشرف على تصديرها ، خبير كيميائي يميز بين القصدير والنحاس والطباشير من الرصاص ؟!
5 . التناقض الكبير بين عبارة " تأكيدا على الحاجة للسيطرة على نشاط السوق السوداء " وتحديد الأمر " يجوز التصدير .... بدون الحصول على ترخيص ... "
!! ألا يؤدي إطلاق العنان بالتصدير بلا ترخيص إلى خلق السوق السوداء التي يخشاها مؤلفو القرار ؟؟
6 . عبارة " عجزها عن ..... مواكبة متطلبات العصر " و " تعرضها للأضرار والتلف " ، أليس المقصود بها الأسلحة العراقية ؟ ونعتقد أنها كذلك كما تبين للجميع فيما بعد ، فمن يقرر مواكبتها للعصر أم عدمه ومن يقدر التلف أو الأضرار بها ، لو كان العسكريون بعيدين عن العملية سواء المنبوذين أو المقربين لسلطة التحالف ؟!
7 . لماذا يراد التخلص من أسلحة الجيش المحلول بالقوة ؟!
8 . إذا وافقنا على كل ما جاء في " الأمر التحالفي " ، لماذا لم تشتر الخردة الدولة العراقية نفسها من ( لا ندري ماذا نقول حقيقة : اللصوص مثلا !!) ؟ خاصة وأن في البصرة واحد من أكبر معامل الحديد والصلب في الشرق الأوسط ، هذا في حالة إذا أراد القائمون على هذا البلد إفادته ولو من خردته. ولماذا يباع السلاح الى الأردن وتركيا وإيران بالجملة وكحديد خردة ؟
9 . لماذا الاستعجال في تقرير مصير أسلحة البلاد وأجهزتها الدفاعية التي دفعت لشرائها ، غالبا في السوق السوداء الدولية ، ثمرة أجيالها ؟ ألا يتطلب الأمر ( لو لم يكن يحمل نوايا مبيتة للإضرار بالعراق استراتيجيا ) الصبر قليلا ، حتى تتولاه حكومة وطنية منتخبة ؟ يا ترى هل ضاقت الأرض العراقية الشاسعة والفارغة ولا تستطيع تحمل " مزبلة الحروب " ، ريثما يتم نبشها والاستفادة منها محليا ؟؟
10 . لو كان رئيس الإدارة المدنية حريصا كما جاء في أمره على بيعها لكونها " مصدرا هاما للدخل " ، فهل أصبحت فعلا " مصدرا للدخل " ؟؟ وإذا أصبحت فعلا ، فلدخل من أصبحت ؟؟ هل يعلم ؟؟ هل رممت بأموالها مستشفى أم عولج مصاب باليورانيوم المنضب أم صبغوا فيها غاليري أو خاطوا ستارة لمسرح أو بنوا سياج مستشفى المجانين أو اشتروا كراسي لبار اتحاد الأدباء !؟
بالأقمار الصناعية
امتد تحرينا من الفلوجة حتى طويريج على مشارف كربلاء. ومن ساحة النهضة في بغداد حتى اليوسفية ، من النهروان والتاجي وصولا الى المحاويل والصويرة. واستغرق تأليف الصور نحو عام ، تنقلا في ربوع العراق في رحلات البحث عن الحشرات المضطربة ، فالموضوع مفتوح على الكثير من المواقف المدهشة والسرقات والتناقضات ، سريالية تهيل المفاجأة تلو الأخرى ، لغاية اللحظة التي طالعنا فيها استغاثة وجهها مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية الدكتور محمد البرادعي التي حملتها رسالته الى مجلس الأمن استندت على صور للأقمار الصناعية لعدد من المواقع في العراق كانت قبل الحرب خاضعة لعمليات رصد الوكالة ، أشارت هذه الصور الى إزالة ( وعلى نطاق واسع ) للمعدات والأصناف المحظورة بما فيها إزالة مبان بأكملها في بعض الحالات ، كما تؤكد الرسالة التي لم يفتها الإشارة الى أن صور الأقمار الصناعية بينت بأن كميات كبيرة من الخردة بعضها ملوث نقلت الى خارج العراق.
يتساءل مؤلف الرسالة " لا نعلم ما إذا كانت هذه الأصناف قد تمت نتيجة لأعمال النهب التي حدثت أعقاب الحرب الأخيرة في العراق أو كجزء من جهود منظمة لإصلاح بعض الأماكن في العراق ".
في جوهر الأمر ، أن هذه الأسلحة تعرضت للنهب وكذلك قامت وحدات الهندسة التابعة للتحالف بتجميعها في مقابر خاصة.
جهد رائع أن تجمع كل هذا السلاح في أماكن بعينها ، خشية من تعرض المواطنين لأذاها كما حصل. لكن قوات التحالف المشكورة الفعل ، جمعتها في المقابر وتركتها !!
هكذا ، لم تعزلها في مناطق خاصة ولم تفرض عليها ولو حارس ليلي. والغريب أن أغلب هذه المناطق التي جمع فيها السلاح كانت بالقرب من الأحياء السكنية كما توضح الصور ، لذلك أصبحت عرضة لمن هب ودب فعلا ، ووصل الأمر الى أن يأتي فلان مثلا ، ويكتب أسمه على الدبابات التي تعجبه ، مع رقم موبايله ، للاتصال به للتفاوض على أسعارهن !
تناقض صارخ
أن ما حصل في العراق وبناء على أوامر الحاكم المدني من بيع أسلحة ومعدات وأجهزة الجيش بالجملة يتناقض مع قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 715 الصادر في 1991 والساري المفعول حتى الآن والذي يلزم السلطة العراقية ( في هذه الحالة سلطة التحالف حسب قرار 1483 في 2003 ) بتقديم شرح كل ستة أشهر عن التغييرات التي تحصل في البلاد في هذا الجانب ، بما في ذلك الأسلحة ( تصديرا واستيرادا وواقعا ) ، وآلية التصدير والاستيراد لأصناف الأسلحة العراقية حدده القرار 1051 لسنة 1996 .
نستنتج من ذلك ، بأن كل ما يتعلق بأسلحة الجيش العراقي مرهون بقرارين دوليين واضحين ، تم تجاوزهما من قبل السفير بريمر ووزارة التجارة العراقية ، لأن من شأن توجيهات مجلس الأمن وحدها معالجة هذه المسألة ذات الشأن الخطير والتي قالوا أنهم جاءوا ليخلصوا الكون من شرورها.
فهل يجوز أن يسلبوها من الجيش العراقي ليمنحوها الى إيران والأردن وتركيا ببلاش تقريبا ؟
وهل هذه الأسلحة تكون شريرة بيد العراقيين ولا تكن كذلك بيد الإيرانيين والأردنيين والأتراك ؟
ضوابط السكراب
تنفذ شروط وزارة التجارة العراقية للمتقدمين على تجارة السكراب (وهي الأسلحة العراقية كما أوضحنا مرارا ) في 30 سبتمبر 2004. ويقولون في وزارة التجارة بأن من يقدم على تصدير السكراب ينبغي أن يكون " شركة مسجلة في العراق مملوكة كليا من عراقيين متمكنين ماديا(!! ) ".
وقالوا فيما بعد في هذه الوزارة بأنهم حددوا 30 تاجرا لتصدير سكراب الجيش بمزايدة علنية وتكون عملية الشراء والبيع مقاسة بالطن المتري. وستقوم الوزارة بالتنسيق مع الجمارك لتسهيل عملية شحنها الى الخارج.
وعللوا في وزارة التجارة العراقية إجرائهم هذا بأن " أسعار السكراب العالمي في أعلى مستوياتها الآن وتعد هذه فرصة ممتازة لخلق وظائف وتوفير فرص عمل للمواطنين العراقيين ".
وعن السبب في عدم صهرها واستثمارها محليا أكدوا على أن "عملية إصلاح مصانع صهر المعادن ستأخذ وقتا طويلا وأموالا طائلة ، لذلك فوجوب تصدير السكراب أفضل من انتظار إصلاح تلك المصانع ".
هذه أسبابهم في بيع ممتلكات الوطن ؟ فالحديث عن توفير الوظائف في هذه العملية ، حق يراد به سكراب ، فمقابر الأسلحة تسيطر عليها عصابات ( لم تصل الى مستوى المافيا بعد ) وهي التي تبيع للمصدرين بالآلاف الذين يبيعون بدورهم السلاح الى مصادر معينة خارج العراق بالملايين.
في ساحة المعركة
نتجول في مقابر السلاح كما لو دخلنا ساحة معركة خسرها الجميع ، ثمة صبية يهرعون إليك ما أن يروا مقدم سيارتك ، ليتولوا مهمة عرض سلعهم. تسأل عن التجار ، يقولون لك بأن هذه بضاعتهم ويوفرون لك حتى الشاحنات والرافعات إن أردت.
لا داع لأن تعرف نفسك ، فسيطردونك باللعنات لو عرفوك صحفيا ، قل لهم في هذه الحالة بأنك ستصور الموقع لتدرس إمكانية شراء " الحديد " المعروض.
تتفاوض على الأسعار تجدر الطن لا يتجاوز 100 – 150 دولارا. يجدر القول والتكرار بأن الكثير من هذه القطع رأيناها بعد انتهاء الحرب بكامل قيافتها العسكرية ولم تتعرض للتلف والتدمير وقسم كبير منها لم تستخدم ولم تطلق النار ، الحديث يشمل الكثير جدا من الدبابات والمدرعات والمدافع الذاتية والطائرات والمروحيات.
وصل الأمر الى أن مدافع حديثة نشرها النظام بين البيوت ، قام الأهالي بتفكيكها وإخفائها في بيوتهم ومن ثم باعوها بمبالع لا تتجاوز 200 دولار.
الآن تبيع العصابات الدبابات العراقية بما يعادل 700 – 800 دولار ويتم تهريبها الى الشمال ومن ثم الى تركيا أو إيران.
هذه الدبابات التي اشتراها النظام بمليوني دولار خلال حروبه في السوق السوداء ، تباع بمبلغ لا يتجاوز الألف دولار. ويستمر هذا النهب الوطني منذ سقوط النظام وحتى الآن ، ولم تطلع هذه العصابات وقطاع الطرق والمهربين والتجار حتى على الأوامر والمراسيم وقرارات مجلس الأمن التي ذكرناها آنفا.
كيف تسير الشاحنات المحملة بالدبابات والقوات الأمريكية متواجدة في كل شارع في العراق ، حتى أن الشعب العراقي المغرم بالنكتة منذ نصف قرن علق على الموضوع بالنكتة التالية : يوقف أحد حراس نقاط التفتيش شاحنة تحمل دبابة ليسأل سائقها : هل لديك سلاح !!
لم تعد الدبابة سلاحا في العرف العراقي وضحكت على الأرجح ، القيادات العراقية والتركية والأردنية والإيرانية على هذه النكتة مرارا ، فكل شيء يجري بذلك الوضوح الذي لا يمكن أن تنطلي حتى على أقمار البرادعي الصناعية.
المتلوثون
خبراء في طب المواد المشعة قالوا بأن استخدام المعدات العسكرية المضروبة ، بل حتى الاقتراب منها يشكل تهديدا على صحة الإنسان حاليا وفي المستقبل.
ولو علمنا بأن الأطفال ينامون داخلها في الاستراحة بين تقطيع مدفع أو فوهة دبابة ، فأن تحذير المختصين بعدم الاقتراب منها ووضعها قرب المناطق السكنية يعد إبهارا نظريا للعلم.
وأكد المختصون بأن أغلب الإصابات بالسرطان التي وردت الى المستشفيات العراقية كانت من قبل مرضى يسكنون قرب المنشآت العسكرية التي دمرت خلال الحرب.
أضف الى ذلك ، تدمير القطع العسكرية التي يجري تفليشها الآن لبيعها كسكراب ، قد تم بقذائف لم تكن كلها بريئة ، فحسب أقاويل عسكريي الجيش وعدد من المختصين بأن آلاف من القطع العسكرية قد تم ضربها بذخائر فيها أسلحة كيميائية وتحوي مواد مشعة ، ولو صدق هذا القول فكلنا سنتجعد بفعلها بعد 8 – 10 سنوات.

أسرار السفارة العظمى


" أيها العالم : لا يعرف أسرار الأفرنج سواك
ولا يستطيع الخوض في نارهم
إلا أنت ! "
-محمد إقبال-


لم يطرأ على ذهن صدام ، بأنه سيبني دون أن يعلم سفارة الولايات المتحدة في البلاد التي ظن بأنه سيدها الى الأبد.
وكعادته في اختيار قصوره ، تبرز لديه قضية المكان وصلاحيته الأمنية، التي توفر له أقصى درجات العزلة من الشعب الذي أطلق عليه اسم القصور.
وما أن تستقر قناعته بالمكان ، يأتي دور الرغبات واللاعبين على ذقنه من مبتكري المقترحات والمبادرات ، لكن قصوره عادة ، لابد وأن تحتوي على متطلبات إنسان يهوى الدنيا جدا ، زد عليها تلك التي يخترعها المزيفون.
ولأن المدرسة واحدة كما يحلو للعراقيين وصف العلاقة بين النظام السابق والولايات المتحدة ، فأن صدام لم يترك للمعماري الأمريكي المتخصص في تكنولوجيا السفارات ، أي مجال للشك ، في أن الرئيس السابق للعراق وصحبه ، أهدوا لهم أفضل ما لديهم من بناء جاهز لن يكلفهم شيء ، سوى توليف المباني الضخمة الزائدة عن الحاجة والتي تبلـّد التفكير، بأخرى أكثر عملية واستجابة لمتطلبات كل دائرة ستعمل تحت قبة " قصور الشعب ".
الموقع
فكروا على النحو نفسه ، في تأمين الموقع أولا ، وإمكانية اختراقه في " حرب شوارع " جرت البروفة الأولى لها ، وقربه من الطرق السريعة التي ستكون المسلك والشريان الذي سيزودهم بكل متطلبات معيشة نحو 10 آلاف إنسان ، لو تجمعهم دفعة واحدة يمكن أن يملئوا ملعبا متوسط الحجم لكرة القدم بالهتاف والتشجيع.
لذلك بدءوا منذ مطلع أبريل 2004 بقطع طرق إضافية ، ظنها الكثيرون بأنها رد فعل طبيعي على أحداث العنف التي شهدتها البلاد مؤخرا ، وهذا الظن صحيح من جهة ، وغير صحيح ، كونهم خططوا لإغلاق هذه الطرق بسبب قصر الخضراء الذي جهزوه ليكون مقر السفارة الأمريكية المنتظرة، وسكنوا لبعض الوقت كي ينفذوا خطتهم في الوقت الملائم.
وحسب معلوماتنا من المصادر العاملة في تجهيز السفارة الأمريكية في بغداد ، فأن المسؤولين عن الأمن يريدون تأمين إغلاق منطقة عرضها يكفي لاستيعاب قذائف الهاون التي تصيب مؤسسات المنطقة الخضراء الأربع المعروفة.
ويحاولون إحاطة السفارة الأمريكية بحزام أمني يصل عرضه الى 3 كيلومترا ، لكي يقللوا من فرص مهاجمتها بقذائف الهاون ، أما وصول الشاحنات والسيارات المفخخة سيكون مستحيلا ، إلا في حالة حدوث خيانة من داخل المنظومة الأمنية للسفارة وهذا أمر مستبعد تماما في الوضع العراقي ، لأن هذه المنظومة أمريكية مائة في المائة ولا يستطيع أحد خرقها.
السكن
و اتفقت الجهات الأمريكية المعنية على أن تحل سفارتهم في أحد قصور صدام ، لكن النقاش كان يجري على أيّ من هذه القصور العشرة الضخمة في بغداد سيختارون.
وإلى جانب الترتيبات الأمنية المذكورة ، فكروا في مسألة إسكان نحو 3 آلاف دبلوماسي ، وهؤلاء المعلن عنهم والرسميين فقط ، أضف إليهم تفرعاتهم في مدن العراق ومسؤولي التحالف والدوائر المالية والفنية والتجارية والاقتصادية وتلك المرتبطة بالأمم المتحدة. أما الأجهزة الخاصة الخمسة أو الست العاملة في العراق ، فهذه لوحدها تنتشر الآن في 80 قصرا لصدام ، فلا يكفيها قصر واحد.
أين سيسكن كل هؤلاء ؟
من المؤكد حسب معطياتنا فأن كل الدبلوماسيين الذين تم اختيارهم سيأتون للعمل في العراق لوحدهم ، أي سيعيشونها " عزابية " ، وعليه يمكنهم تدبر أمورهم والسكن داخل السفارة وفي مكاتبهم الشخصية ، وستجلب لهم " كرفانات " مكيفة ومزودة بكافة أنواع الراحة ستملأ حديقة القصر الذي ما أن بناه صدام ، حتى ماتت كل أشجاره ! ( كان يختار المناطق المخضرة والمزروعة أساسا ويصادرها من الناس أو الدولة ).
سفارة العجائب
وسفارة الولايات المتحدة في بغداد من عجائب البعثات الدبلوماسية على مر العصور ، ففيها لأول مرة ستشاهد قاعات عرض سينمائي ومسرح سيزود بأجهزة الترجمة الفورية وصوتيات وإنارة متكاملة لإقامة الحفلات الموسيقية وقاعة فخمة للاستقبال ، ويمتد على مساحة غير صغيرة في الموقع مطار ، تلحق معه مخابئ للمروحيات ومراكز لصيانتها. وفيه بالطبع مرآب شاسع تحت الأرض.
ويحرص المختصون لغاية هذه اللحظة على تجهيز الغرف الزجاجية والمعتمة والحمراء ( وقسم منها جهزها لهم صدام سلفا ) ، والتي ستخصص لعمليات الاستجواب وتصويره وغيرها من العمليات التي تستدعي مراقبة خارجية.
وستكون السفارة الأولى التي تحتوي على معتقل ! وهذا الابتكار لم يفت صدام على الأرجح ، لذلك يصر العراقيون على اعتبارهم مدرسة واحدة. وستوفر لمن لا يحب التجول في المدينة ، فرصة لممارسة كافة أنواع الألعاب الرياضية حتى صيد السمك !
لكن من غير المفهوم ، ما الذي سيفعله الأمريكان بالمسجد الموجود ضمن بناء القصر – السفارة ؟ ( حرص صدام بناء على حملته الإيمانية على بناء مسجد في أي مشروع وقصر للشعب ).
البعوض
يعمل " فريق البعوضة " ( هذه التسمية ليست من اختراعنا بالمرة ) منذ نهاية أبريل 2003 على تكوين نفسه وتوسيع معارفه وأجهزته. ولعله أول الأجهزة التي سكنت السفارة الجديدة ، حتى قبل تعيين سفيرا لها. ولأنهم أول من افتتح المبنى – المدينة ، فقد حرصوا على نصب أجهزتهم ومراصدهم وهوائياتهم وكل ما من شأنه الدخول في أفواه وآذان الخلق في الإقليم كله.
" البعوض " سيلجون في كل الأضابير والأحاديث والغرف والمعاطف والعكل والغترات ، وسيستمتعون لتسجيل مكالمات الثريا والموبايلات وسيفكون شفرات الرسائل الدبلوماسية للدول الصديقة والمنبوذة على السواء. سيقرءون كل الصحف ويستمعون لكافة الإذاعات والقنوات في الأرض والفضاء.
سيؤرشفون النكات ويلاحظون الإشاعات ويقيمونها وسيبثون المناسب منها ويردون على غير المناسب.
وهؤلاء الشبان الظرفاء الذين اختاروا لأنفسهم تسمية " البعوض " ، خيرة مصاصي الأنباء وقراصنة الكمبيوتر وحاملي العيون الجائعة ، موهوبون لدرجة أنهم تمكنوا من تزوير حتى اللهجة العراقية وطبعوها على لسانهم في أقل من سنة ، يعاونهم مترجمين ومساعدين محليين ، خاضوا معهم تجارب قاسية لإثبات الولاء . ملهمين ، من الصعب خداعهم ، مجبولين بحمل المهام الدقيقة مثل الترانزسترات التي تلتصق بأجسادهم وآذانهم وملابسهم ونظاراتهم وقبعاتهم وما ملكت خلفياتهم.
العقرب
ولعلها المرة الأولى التي تسمعون بهذه التسمية ، وهي للجهاز المتعدد الوظائف والمهام ، الخارج من رحم دائرة التحريات الفيدرالية ، والمشكل فقط في العراق !!
قوامه مختلط من جنسيات مختلفة ، يطمح الأمريكيون في أن يكون العراقيون أساسا له. غير أنهم يعانون من صعوبة إيجاد " عقارب محلية " تلدغ ( أعدائهم ) ولا تموت.
مهامه سوبر خطيرة ، لا نستطيع حصرها ولو نتدارك ما أسعفتنا به المصادر من داخل الجهاز لكي نتقن واجباته التالية : متابعة العناصر المعادية للولايات المتحدة والتحالف عموما ، مراقبة كل مصادر التوتر أو المرشحة للتوتر ، التسرب داخل الأحزاب والحركات والمنظمات الشعبية ، كسب أكبر عدد ممكن من المقربين لرجال الدين والمرجعيات المعروفة ، السيطرة على حركة الأجانب داخل العراق ، مكافحة التجسس المضاد من أجهزة الاستخبارات الخارجية ، القضاء على الأزمات حتى لو كانت تخص الوقود ، افتعال الأزمات الثانوية تغطية للرئيسية ، الاندساس داخل العشائر والتجمعات المتطرفة ، تنفيذ عمليات المداهمة الخاصة للخاصين جدا ، المساعدة في تحديد البؤر التي من الممكن أن يصدر منها العنف ، صناعة الوجوه السياسية أو إسقاط المصنوعة منها ، إعداد الإكسسوارات اللازمة لمسرح العمليات ( هذه الفقرة تتطلب شرحا مهنيا لا نجيده ) ، استشعار الأخطار قبل حصولها ، الاغتيال و منع الاغتيال المضاد وغيرها من مهام تعد واحدة منها مما ذكرنا وما لم نذكر جسيمة.
السيكيورتي
وهؤلاء متشابهون في كل السفارات الأمريكية في العالم ، كما لو رسمهم تشكيلي واحد وخيــّط أزيائهم مصمم منهم. ولكنهم في السفارة الاستثنائية العظمى ، سيكونون استثنائيين أيضا ، بالإضافة الى أن عددهم غير محدود.
لن يتبعوا لأحد من الأجهزة الأمنية العاملة في السفارة ، ولن يحموا أي شخص عدا الدبلوماسيين الرسميين وجدران السفارة ومبناها من الأضرار الخارجية والاعتداءات.
ولا تنحصر مهامهم في " الشؤون الداخلية " للعراق ولن يتحدثوا في السياسية وليس المطلوب منهم حتى معرفة اسم رئيس العراق. ملزمين بحماية السفارة من الهجمات المحتملة والحفاظ على حياة الدبلوماسيين فيها وسيكون لهم شأن عظيم في تمرير الصحفيين الى هذا أو ذاك من المسؤولين الكبار فيها. ويرجح أن يكون عددهم كبيرا ، ولا يستبعد أن يكون لقسم منهم مهام مزدوجة أو متعددة.
بنتاغون صغير
أن مراجعة سريعة للدوائر العسكرية المتشعبة والأجهزة الخاصة التابعة لها ، تعطي انطباع بأن السفارة الأمريكية في بغداد ستظهر كما لو كانت نموذج مصغر للبنتاغون والخارجية ودائرة التحريات الفيدرالية ووكالة المخابرات المركزية وغيرها من أجهزة مكافحة الإرهاب. وسيعين العسكريين مركز ، موجود الآن ، مهمته إعداد الملخصات والدراسات الجاهزة وتحليل الشخصيات ومجمل العملية السياسية والأمنية والاقتصادية والنفطية والمالية في العراق.
يعمل في هذا المركز مختصون أمريكيون وبريطانيون وعراقيون وجنسيات تحالفية أخرى.
وبعد أن " سلموا السلطة الى العراقيين " في 28 يونيو 2004 انضم أوتماتيكيا كل هؤلاء الى " ستاف " السفارة ولو غير الأصلي.
أضف عليهم " جيش المستشارين " الذين جلبتهم سلطة التحالف معهم وأغلبهم من العراقيين الحاصلين على الجنسية الأمريكية أو " الغرين كارت" ، ولم يذكر لنا أي من الذين نعرفهم في هذا الجيش عن قرب تسريحه ، بمعنى استمرار مهامهم كل في مجاله
تجدر الإشارة الى أن الأمريكان جلبوا معهم مستشارين في كافة جوانب الحياة والدولة : اقتصاديين وعساكر وبوليسيين ورياضيين وإعلاميين ومطربين وممثلين وصباغين ومداحين ...الخ.
ويدلل على صحة تكهننا ، أن الأمريكان لا يزالون يحتاجون الى العاملين والمتعاونين معهم ، فكل هؤلاء المستشارين لم يلبوا حاجاتهم ، حسب ما أملته الظروف الحالية ، لذلك قاموا ومنذ ستة أشهر تقريبا بتوزيع استمارات على الراغبين طلبوا فيها الكثير من الاختصاصات وأجروا مقابلات معهم ولا تزال العملية جارية لاختيار فرق عمل في مجالات مختلفة.
لابد من التأكيد على أن الجيوش والأجهزة الأمريكية سيستمر تواجدها في قصور صدام الأخرى بالإضافة الى مطارات بغداد والمثنى ومعسكرات التاجي والمحاويل وسجون أبي غريب والرضوانية وباقي مواقعهم في المدن العراقية الأخرى.
ونظرا لضخامة الـ " ستاف " وكبر الدوائر التي ستعمل في السفارة الأمريكية ، يتساءل البعض كم ملحقا ستضم البعثة وكم سكرتير أول وثاني وثالث ، حسب الأعراف والتسلسل الوظيفي يمكن عدهم. وكيف سيكون رئيس الدائرة الفلانية ، بدرجة ملحق ، وهو وظيفيا أقدم وأرفع من السفير نفسه ، لتشعب وضخامة الدائرة التي يشرف عليها.
الآتي ليس أعظم
بدأت تعليقات العراقيين على السفير الأمريكي جون نيغروبونتي واعتبر الكثيرين بأن الأمر لن يختلف كثيرا وليس سوى عملية نقل وظيفية ، كما نقلوا صدام وجاءوا بغارنر ومن ثم نقلوه وحل بريمر الذي سيترك مكانه وفراشه الى بونتي.
ولا يعتقد من تداولنا معهم شؤون الوضع الدبلوماسي الأمريكي في العراق أن يحمل نيغروبونتي " وصفة سحرية " معه ، فكلهم مصرون على أن الأمور ستبقى على حالهم وقد تزداد سوءا ، في تشاؤم سيطر على الناس وله ما يبرره.
ومن المؤكد بأن " حقبة بونتي " ستشهد في العراق توقيع اتفاقية تحدد مصير القوات الأجنبية في العراق وما يترتب على ذلك من التزامات وأمور حقوقية أخرى. وقد تكون من الاتفاقيات الاستراتيجية الأولى التي سيتولى السفير الأمريكي الجديد شأنها.
ولم يخف العراقيون امتعاضهم من الطريقة التي يجرى بها إنشاء السفارة الأمريكية في العراق والتي يفترض أن تكون مقرا لبعثة دبلوماسية بين دولتين شريكين تربطهما مصالح مشتركة ويتعامل بعضهما مع الآخر على قدم المساواة ، كما يحفظ هذه الكليشة المترجمين عن ظهر قلب والتي يرددونها أحيانا قبل أن يتفوه بها الدبلوماسيين.
لم يعجبهم اختيار الأمريكان بأنفسهم أحد قصور صدام ليكون مقرا لسفارتهم ، فهذا المكان يكرهونه أصلا وينظرون له ككيان مغروس في قلوبهم قبل مدنهم وفوق ذلك سيأتي أمريكي يعتقدون بأنه سيحكمهم ، من ذات المكان الذي حلموا بتغييره.
أبواب الحكمة الأربع
لم يكن بالمستطاع اختراق مبنى السفارة المستقبلية بدون " دفعة " قوية، ولأن اختراقها مجرد مسألة وقت ، ففضلنا القيام باستطلاع عام والبحث عن أقرب مكان يمكننا بواسطته تصوير القصر – السفارة. وهو محروس كحامية عسكرية ، وقد يستمر نمط الحراسة على هذا النحو.
كانت الأبواب العملاقة المزينة سابقا بالنجوم التي تؤمن للرئيس الراحة لأنها وضعته في الشعار ثالثا بعد الله والوطن ، حيث قام أحدهم بإضافة كلمة واحدة فقط من صميم قلبه بالقرب من أسمه : العار!
وقفنا بعض الوقت نراقب القصر الذي لم يستمتع به الطاغية ، قربنا العدسة بكل ما تستطيع من زوم لتبين ملامح تماثيله النصفية المثبتة على أعمدة الأبواب الأربع للقصر ، كان النحاتون يلبسونه خوذة يفترض أن تكون لصلاح الدين أو نبوخذنصر أو أي داهية أخرى من تاريخ لم ينصفه صدام بالتشبه به ، ولم تراودنا أية فكرة حول المفارقة غير المتزنة التي يواكبنا بها الدهر في الامتياز الذي ستتبناه السفارة الأمريكية كونها الأولى أيضا في التاريخ التي يوجد فيها تماثيل رئيس خلعته دولة السفير !!

أغرب الأعمال في زمان الاحتلال !


وهكذا ، تنبض الحياة العراقية الجديدة براعة كإحكام وضع الخيط في إبرة. مهن لا تدور في خاطر كأوراق طارئة على أرض تنبشها ريح ، لا ترصدها العيون المارة بصفحات الأيام المرقمة ولا تضرب بأذيالها صور الزمان الملموس الذي يبذل جهدا لتقمص واقع مفترض.
الآن ، وقد طويت الاحتمالات المألوفة ، تشدنا الحماسة للطبيعة المقارنة ، المطابقة لفنتازيا الصور ، التي إن سلطنا عليها الشمس ، تبدو هائلة الأكمة ، وإن كانت في جوهر الأمر ، تقبع في بركة الزمان.
نستطيع الحكم على هذه المهن التي تدر عيشا ما ليس له أهمية في القصص المسطرة في جدولة الحرب ، فيها المتعة والطرافة وأخرى تحمل قسوة مسامير صدئة.
عقال وسيف
في القاعة التي كان فيها الدكتاتور يتمخطر بقامته بين نساء البلاد المزوقات بإفراط والرجال المتعرقون جدا من الهلع والأطفال المجبرون على ترديد صدى ببغاوات الإذاعة بحفظه الى الأبد ، في هذا المكان الذي كانت الجموع تحمل أكياس الذهب لوضعها تحت أقدام بطل التحرير ثمنا لملامسة خدود الزوجات ، تحت أنوارها الوضاءة ردحت أرداف المؤمنات بالغد الزاهر وتمايلت ظهور الأشاوس بالانحناء والسجود لحامل الرسالة الخالدة ، في هذا المكان المسكون بالزيف والغطرسة والتوعد والوعيد والنذر والدماء ، في وسطها ، ينمو عرش الطاووس كما لو كان مصنوعا من مجاذيف سومرية ، متهدلة أطرافه كشعر صبية مشدود في عراك محلي.
برأسه المخروطي ووجنته الكمثرية ، كان يجلس على هذا العرش وينظر الى البشر الآخرين كما لو يتنشق سماد انتهت صلاحياته.
منهم من يضفر أبيات مدبلجة من مسلسل ديني وآخر يهز كتفيه بفعل أهزوجة مسروقة من شاعر مغمور ونسوة سئمن الرعاية في البيت ، فجربن تعقب طفولتهن في صوان الرئيس.
أخذت القاعة والعرش نصف وقت البث التلفزيوني المحلي الذي لا يرى الشعب سواه وغير هذه المسلسلات ذات الأجزاء اللانهائية.
عندما جلسنا على عرش الرئيس العراقي السابق ، لم نشعر بصعودنا الدرج كما كان يفعل عندما ينظر للجميع من فوق ، ولم ينتزع جلدنا ، بل لم يترك لدينا أي انطباع بأن كرسي الرؤساء والملوك يختلف عن باقي كراسي الخلق ، شعرنا فقط بأن قماشه أو ما صنع منه زلق ويدفع جلستنا نحو الأرض.
قرأ شاب يسكن الثورة ما في هامات المنتصرين من رغبة في التصوير وهم جالسون على عرش صدام ، ولأنه يبيع المرطبات في القصر الجمهوري السابق ، فوجوده في القاعة مألوف ، فهو يسقي الجنود ويحضر لهم صورة الذكرى.
أدرك الشاب بأن صورة جندي بملابسه العسكرية لا تكفي لاستكمال المشهد ، لذلك جلب معه إكسسوارات ليظهرهم مشابهين لجلسة الرئيس. فكان يصورهم لقاء مبلغ معين ، ويلبسهم كوفية وعقال وعباءة عربية ويعدل أوضاعهم بحيث يمسكون سيفا ، قد يكون سرقه من أحد المتاحف أو قاعات القصر.
لا يعلم الفتيان الأمريكيون بالطبع ، بأن صدام نادرا ما كان يرتدي الملابس العربية في تصوير أفلامه ، ولم يجلس على العرش مرة وسيف بيده. ولكنها الفكرة والخاطرة التي تناسقت مع ما يحملوه في رؤوسهم من معلومات. كيف خطرت ببال بائع البيبسي هذه الفكرة الجهنمية التي يكسب بفضلها الكثير كما لاحظنا ، حيث يقف الجنود بطابور لا يقل عن عشرين شخصا ليلتقطوا صور يفاجئون بها أقربائهم وهم يجلسون على الكرسي الذي جلس عليه صدام وبسببه تحملت أجيال وشعوب بأكملها كل الأهوال الموسومة في ذاكرة الخديعة التي مارسها صدام على هذا الكرسي واستمر شاب قروي بسيط في ممارستها على الكرسي ذاته !
كلب المؤتمرات
بدونه لا يستطيع أي سياسي أو مسؤول في العراق أو سادته المتعددين الجنسيات ، لا بوش ولا رامسفيلد ولا رايس ولا حتى الزرقاوي وبدون حضوره لا يستطيع مخلوق السماح لأحد بدخول قاعة المؤتمرات الصحفية في القصر ولا يسمح لا بقارئ البيانات ولا بمتعهدي الأسئلة الجاهزة من فتح أفواههم.
فكل البيانات والإعلانات التي تدعو الصحفيين لحضور المؤتمرات تختتم بالجملة المعهودة : الحضور قبل ساعة ونصف من عقد المؤتمر لإتمام الإجراءات الأمنية.
والإجراءات الأمنية هي في حقيقتها كلب مسكين لأن كل الإجراءات الأمنية ملقاة عليه ولكي تصدقوا إليكم الحكاية :
يحضر الصحفيين في الثالثة والنصف عصرا عادة ، لأن جميع المؤتمرات الصحفية في القصر تبدأ في الخامسة. بعدها عليهم نصب كاميراتهم ووضع كافة حاجياتهم ومتعلقاتهم داخل قاعة المؤتمر. في الساعة الرابعة ، يخرج الجميع من القاعة ليحضر " كوستا " الجميل ، وهو كلب المؤتمرات الذي يعرف كل العاملين في القصر شمـّا إثر شمّ. مرة تقوده مجندة سمراء وأخرى جندي أشقر ، وعلى الأرجح أن هذه الصحبة لا تعنيه جدا ، بقدر لحس مؤخرات الكاميرات واستنشاق محتويات الحقائب وتذوق الكاسيتات وتتبع أسلاك التوصيل والهواتف الجوالة.
بعد خروج الكلب ، تبدو إمارات الأمل على الحضور حيث يأتي الآن دور التفتيش اليدوي المباشر لكل شخص لكي يسمح له بدخول القاعة.
وللإنصاف فأن كلب المؤتمرات يقوم بعمله في قاعة ضخمة أسرع مما يقوم بها رجال الحماية المختلفون حسب الزائر ، فهؤلاء يدغدغون الصحفيين الأمريكيين بأناملهم ، فيما يفتشوننا كما لو يعملوا مساج لملاكم فوق المائة كيلو غرام. بالإضافة الى هوايتهم الأخيرة بتفحص أرقام الأحذية والتأكد من محتويات علب السجائر.
هو الأسرع والأدق والأجمل ، هذا الكلب الذي اختار أطرف المهن في زمان المؤتمرات.
القفــّاصة
بشعون ، جوف ، يختارون ضحاياهم وسط زحمة الناس ، من يطلق عليهم العامة في العراق تسمية : القفــّاصة.
لا تفرق لدى هؤلاء الأشرار ، إن كانت ضحيتهم حامل أو طاعن في السن أو صبي لا يملك غير أجرة تكسي.
يفاجئوك وأنت سائر في أي مكان مكتظ ، في الأسواق وبالقرب من تجمع مشاهدي البسطات الكثيرة. في أثناء قراءتك صحيفة ببلاش أو بحثك عن أدوات احتياطية لمكيفك العاطل.
يغرزون سكينتهم في ظهرك ويهمسون في إذنك بأمر حقير : ورّق!!
السكين تكون ملفوفة بقطعة قماش أو جريدة أو أية بلوى. وما أن يشعروا بأنك لا تستجيب لجديتهم ، يدسون السكين بالتدريج في ظهرك ، فإن صرخت ، التفوا عليك مساعدين حامل السكين واتهموك بأنك وليس غيرك من نشل صاحبهم أو تحرش بقريبتهم التي تمشي معهم ( في أحيان كثيرة جدا يشاركون النساء في هذه المهنة تماشيا مع المساواة ).
تسكت ، ستنحدر في ظهرك السكين أكثر فأكثر وستسيل دماءك وستضرب كحرامي في مولد ، وأن تفوهت سيتكالبون عليك وتخرج مضروبا وحراميا ومعتديا على شرف المارة وفوق ذلك يسرقون ما لديك.
هل يوجد بعد سرد هذه الاحتمالات ، خيار آخر أمامك سوى تقديم ما لديك بكل هدوء وأناة وصبر ودقة ؟!
حمار التحالف
لكثرة ما تبثه تقارير الصحفيين الغربيين عن بلداننا وعدم خلو تقرير واحد منها من الحمير ، الذي أصبح لازمة لتقاريرهم عن بلدان الشرق. وكأنه ملح التقارير التلفزيونية والدليل على وجودهم في البصرة أو كابول أو أسيوط.
أثرت التقارير الحمارية كثيرا على سيكولوجية المشاهد الغربي، وتركزت في وعيه أننا بلاد الحمير وأنهم ينامون في أسرتنا ويأكلون من طاساتنا.
فلا عجب ، أن يطور حوذي مهنته ، ويستغل الحمار كدليل على وجود هذا الجندي أو ذاك في العراق بالتصوير معه.
يتمركز الحوذي في النقاط التي يكثر فيها الأمريكان ليعطيهم عربته وحماره وسوطه وحباله التي يشدونه بها ، ليصوروا أنفسهم كما توضح الصورة.
غير أن هذه اللوحة ضاعفت الفكاهة ، حيث تحول الجندي الى حوذي والأخير الى جندي بعد أن تبادلا الخوذة والدرع والأدوار !
شراء وبيع الطوابير
لعل طابور أفراد الجيش العراقي المنحل ، الأطول والأقسى في تاريخ الطوابير.
فهؤلاء التعساء الذين ينتظرون استلام مرتباتهم الشهرية يقفون في طابور يمتد طوال شارع منتزه الزوراء ويصل الى معهد الفنون الجميلة ومدرسة الموسيقى ويلتف في الطريق المؤدي الى القوة الجوية.
لا حساب دقيقا لطوله ، لكنه ليس أقل من كيلومترين ، لاسيما وأنهم يقفون مثنى وثلاث ورباع في أغلب الأحيان.
ليس حديثنا عن الطابور وما يحمله من آلام ومعاناة أدت قبل يوم الى اندلاع أعمال عنف متوقعة ، بل سنلقي الضوء على المهنة الغريبة التي ابتكرها البعض مستغلا عدم تعود هؤلاء الوقوف تحت لهيب الشمس لوقت غير محدود ، كونهم من الضباط الذين كانوا مدللين في الأوقات السابقة. علاوة على أن الوقوف في الطابور لا يعني التوصل الى طاولة المحاسب.
فأي مهنة من الممكن اختراعها في هذه الحالة والحصول بواسطتها على المال ، وهو يعادل ، بالمناسبة ، ما يتقاضاه الضابط في الشهر حسب الاعتبارات الجديدة ؟
يقضي البعض الذين ليس لهم علاقة لا بالجيش ولا بالرواتب ولا بالطابور ، ليلتهم بالقرب من السياج والبوابة ويباتون هناك ، لكي يكونوا في الصف الأول منه ، ليس لامتلاكهم هواية المبيت في الشوارع ، بل لكي يبيعون دورهم في الطابور للآخرين لقاء 2000 – 3000 دينار ، ولو كانوا يمارسون هذا العمل يوميا ، فسيعادل مرتبهم الواقفين في الطابور.
وللفرهود مهنه
وبزغت مهن جمة على هامش الفرهود أو النهب. فليس كل من اشترك في هذه الظاهرة السيئة حمل بيديه أو على ظهره الكراسي والكمبيوترات أو المكيفات وغيرها من الأمور.
فثمة من يقتحم صالة أو غرفة ما ويقف عند بابها مع مجموعة مسلحين من أنصاره ويبدأ بالتعامل مع نهابين آخرين حسب الحوار التالي: هذه الغرفة لنا ، كم تدفع لتأخذها ؟
يتجول النهاب الآخر ليقيم سعر غرفتهم أو المبنى الذي يسيطر عليه المسلحون وبعدها يتفاصلون بالسعر !
أما سواق الشاحنات وعربات الخيول والحمير فلا يشاركون بالنهب بشكل مباشر ، أي أنهم لا يقتحمون المباني والدور ، يكتفون فقط بالوقوف أمامها ويتعاملون مع اللصوص لغرض توصيلهم ، ليس مقابل أموال ، بل الحصول على حصة من المسروقات.

الماضي المكدس في حواف المدن العراقية


" صدئت عربة الكلمات "
- بول ايلوار -


لم تكن البصرة بحاجة الى اختراع البهجة وابتكار الضفاف ، ولا تحسب الناصرية قطرات الندى على الحصى وكم تعطي أو تأخذ.
والجنوب ، أينما حللت فيه ، يمتحن الإغراء ، ويغني للجمال وينتحر كل غروب من الحبّ.
والفرق .. نعمة .. بين الجهل والعلم ، الكفر والإيمان ، الأهمية واللامبالاة ، الإفلات والاختناق.
الفرق نعمة ،، لو تسنى قياسه وفق الفهم. لكن الفرق الذي طاردنا في زوايا الجنوب العراقي وحتى بغداد ، مبني على سوء الفهم.
ولولا الصباح والمساء .. وتلك البديهيات الأخرى التي لا تفصلها حواجز الزمان والمكان ، لقلنا أن ما تركته الصور المفروضة على عينينا، مجهول رجيم أو طيران مفاجئ لنعامة يهشم جناحيها وزنها.
فكلما طال تجوالنا في بغداد حتى البصرة ، في الميادين العامة وقرب الصور المحطمة للدكتاتور ، عبر الأزقة وحواف المحال وجنبات العتبات ، وفي ظلال الزحام ، يتعمق ، ويبتعد التصديق بأنها مدننا التي غض عشبنا فيها.
وتدق ، تدق بمطرقة حديدية على جدران الجمجمة ، تستفز ذاكرتك وصور الميناء والأسواق والمتنزهات والضحكات والحجارة النابضة المتحضرة ، تلك التي كانت تتناسل أزهار حقيقية وشعراء وفلكلور ولوحة وقصة ودهشة.
فماذا خبئت لك المدن ؟
ما لا تعرفه ولم تخلق له : صلادة وانسحاق ..وويل للذي يغمض عينيه ويمزق بصيرته وينصف التسامح ولمن يبحث عن حل للصور التالية.
ولائم الكتب
في المدن العراقية ، كانت الكتب تطالعك حتى في النفايات العمومية والمراحيض الاشتراكية. وكانت كالدورة الزراعية ومزاج المواسم ، قطيع يرشف من قطيع.
كتب تسخن وتذيب وتحرق وتنسج أشهى العبارات وأجسر الكلمات، كأنها أسراب من الأفكار لجميع فلاسفة القرون الماضية وروايات العصر الذهبي لفلوبير وبلزاك وجاك لندن وديستويفسكي وتورغينيف وتولوستوي وهمنغواي والقصص الأولى لموبسان وتشيخوف وانفجار الأسلوب لدى ناتالي ساروت وجيمس جويس وفرجينيا وولف ووليم فولكنر ومارسيل بروست. لم تخل مكتبة في البصرة أو بغداد من الأعمال الكاملة لسارتر وكامو وبيكيت وكولون ولسن ، وإن منعوا لفترة أعمال دي . لورنس وأوسكار وايلد ، فأن شعراء كإليوت ورامبو وفيرلين ومالارميه وسان جون بيرس وباسترناك ، كانت تحرز التفوق على جيوبنا الفقيرة. ولم يهدأ سيل المعرفة على نواصي الأرصفة البغدادية وعربات الدفع البصرية لماركس ولينين وماو تسي تونغ وهيجل وتشي غيفارا وفهد وسيد قطب ومحمد باقر الصدر. وتخصص باعة كثيرون بالروايات العربية لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله ، في الوقت نفسه كانت مجلات الموعد والصياد وحواء في أيدي كل من تعرف القراءة في البصرة المثقفة.
في شوارعها وعلى أرفف مكتباتها عرفنا من يكون نزار قباني وإنسي الحاج وجبران خليل جبران وطاغور وجماعة أبوللو وشعر وقرأنا محاولات السياب في الآداب وتنوير نازك الملائكة وشجاعة أمل دنقل وشاعرية النواب. و زواياها لم تخل من عمالقة الأدب اللاتيني، بورخس واستورياس وماركيز وماتشادو وشاعر غرناطة وريلكه والمعلم الأكبر كافكا.
اختصرت لنا مكتبات البصرة وبغداد كل ما جرى في الدنيا ، دموعها وآلامها وعلومها وطالعتنا بأفضل الكتب في الطب والجنس والموسيقى والفلسفة والشعر والأدب وما كانت تبطل ، فشلالها هادر بالمزيد من المعارف التي لم تنقطع حتى آخر يوم رأينا فيه شوارعها المبتلة بالقمع الأول.
انغماد الكتاب في أجسادنا كان تعبيرا عن تداخل الأشياء ، نحت صورّنا فأملنا إليه ، قفزة للمستقبل وجرأة للخلاص من العنف.
ولكي تعود بالكامل لأحضان البلاد ، أحضانها كما حلمت في دفئها سنوات البرد والصقيع ، تتوقع أن تجد بلبلة ما ، كتغيير في الديكور وبعض العناوين ، اضطراب في الأسعار ، فقدان الرغبة بالقراءة لجامعي البطاقة التموينية.
غير أنهم كما لو كانوا يعرضون بطاريات أو مسابح رخيصة أو أقداح شاي أو ملاعق أو ألعاب أطفال صينية ، ينثرون الكتب " المعاصرة " في كل مكان. تقرأ في كل زاوية : وصايا الإمام خامنئي ,, الليلة الأولى في القبر ،، تقاسيم حسينية ،، الخميني العظيم ،، لا أدري شنو من عناوين لا يمكن لذاكرتنا حفظها ، غير أن صور الرجال المعممين على الأغلفة تعطيك انطباع بأن الساعة أزفت وكأننا ندور في إحدى صالات الجنة.
هكذا تصطف مثل هذه " الكتب " في كل مكتبات المدينة التي خرجت منها نصف الثقافة العربية وفي بغداد التي لم يجادل أحد على أنها المدينة القارئة وخير عبارة وصفت ذلك " بيروت تطبع وبغداد تقرأ ".
فماذا تقرأ بغداد ولمن ستكتب البصرة ؟
السيدة والعندليب
اللسان والحنجرة والقلب .. توق. وكانت السنين تتلألأ في شوارعنا وأسواقنا وفي المناطق المحيطة بسينمات زمن الفرح. قررت بأنك لا ترى البصرة ، دون المرور بأسواق حنا الشيخ والمغايز وشارع الوطني والكورنيش.
الأخير مظلم كشط العرب ، والملابس السورية والتركية تزاحم الهواء في الأسواق ، لكن انحدارك نحو ساحة أم البروم باتجاه كراج المدينة الرئيسي ، لابد وأن يفيق بك ذاك التوق الذي كلموه بالكلمة واللحن.
لم تسمع السيدة ولا ياظالمني أو مقطع مميز من حيرت قلبي معاك ولا أشواق العندليب.
كان هذا الشارع وغيره يغني بنواصيه وأعمدته ولوحاته ونوافذه ، تحملك أغنية لتتلقفك أغنية أخرى ، تتلاطم وسط هدير أمواج من نغم لا يعاد لزمن لن يتكرر على الأرجح.
تتمنى للشارع أن يطول لكي تبطل ما تسمع ، ولكي تعتبر ما يصل الى أذنيك هفوة أو خدعة مؤقتة ..
راح صوت السيدة واختفى طرب العندليب وتستقبلك أصوات الأكف التي تلطم الصدور ، ونواح يقذفك لنواح ، بعد أن كنت تسير في الشارع ذاته ، تنهي هذا المقطع ليستلمك مقطع آخر لزهو الأغنية.
لطميات ونواح وصور تعرضها شاشات تلفزيون مسروقة من دور حكومية لمعارك وهمية بين الخضر والحمر. وكنت تسير ميتا الى الليلة الأولى للبرزخ.
مباني وبرقيات
كرسوم السجادة ، لابد لنقوش المباني معنى. ويفضل أن يكون لهذا المعنى شكل ملائم للمكان ولا يخفي ما ترنو إليه المدينة. وعندما تتحول نواد بصرية عريقة كشط العرب أو الميناء قضى فيها نصف شبان المدينة أمتع أوقاتهم الى مقرات وهمية لأحزاب أكثر وهمية ، فهذا فقط من فضل الديمقراطية بلا شك. فمن سمع بأحزاب مثل : عدالة الأئمة ، سراج الصالحين، أنصار المهدي ، هداية الفقهاء ...الخ من مسميات لا يعرفها غير أصحابها.
وانتقلت حملات التعبير على الجدران الى الدور السكنية ، فيعبر صاحب البيت عن شعوره بالفرح أو الحزن ، في هذه المناسبة أو تلك ، برفع بيارق أو أعلام بألوان مختلفة ويكتب ما يشاء على قطعة قماش أو ورق مقوى ما يحلو له من عبارات.
جماهير المقاهي
لم يجلس الناس في المقاهي بسبب العطش ، مثلا .. بل لأنهم يلمون تناثرهم ويصففون أوجاعهم ويرتبون أفكارهم فيها ، حتى أولئك الذين يلعبون النرد والقمار.
وقرأت في المقاهي قصائد الحداثة وتأسست فيها الأحزاب والتئم شمل أشهر السياسيين والأدباء والفنانين فيها.
وعندما تجلس مجموعة منهم ، لتصفح جريدة أو تبادل مخطوطة قصة جديدة ، ويفاجئ بمداهمة مجموعة شبان يرتدون الأسود وبعض الشرائط الخضر ، ويصرخون مطالبين الجميع التوجه الى أقرب قاعة لسماع خطبة أو شق صدورهم للطم أو النواح ، فهذا وجه مظلم لنهار ابتكر نهايته.
متع متلاشية
وأن تختفي 17 دار للسينما الصيفية في البصرة ومثلها مسارح وأندية رياضية ، فهذا يعني أن الأيام القادمة ستكون خاوية. وعندما تحجب صور الفيلم ويتم استبدالها بلافتة تؤكد على التزام إدارة السينما بعرض الأفلام التي لا تخدش الحياء ، فهذا يعني انتشار ما يعرف بالرقابة المفروضة من أي شخص وبدون تنظيم أو قانون.
فأصحاب السينمات تلقوا جميعا تهديدات من جماعات تدعي أنها تنهي عن المنكر ، ونفذوا بعض منها. وهذه علامة على بداية اختفاء واحدة من أهم الفنون المعاصرة ، وفي حالة إضافة المسرح إليها ، فسيلامس الموت الحياة الثقافية والترفيهية في البلاد الى وقت غير معلوم.
في متاهات المدن الرمادية تلهث الغيبيات وتمحى الأغنية واللوحة ويحترق الكتاب وتظلم قاعة السينما التي مسك نصف شبان البلاد يد حبيباتهم في زواياها لأول مرة.
مذعورا بكل هذا البؤس تلقيني المدن الى ماض يخذل الأحلام ويزرع الأمل في كيمياء غموض تدجن أنفاس من سولت له نفسه وعاش في هذه البلاد.

الممنوع والمسموح في العراق المنكوب


الفلك تضيق يوما بعد آخر بالعراق، مذكرة بتلك النجوم المنهكة التي لم تسلم هي الأخرى مرورا بالبلاد من التحزب ونسج الآثام وتوزيعها على المقتفين أثر الرضا، من الطالح والصالح، وكيف يأكل الشعب وماذا يلبس وأي عناوين تأخذ ساحاته وشوارعه وسعة ابتسامة الفتاة الفرحانة بموبايلها الذي أهدته الحرية لها وغنج الجامعية الفتية في يومها الأول، وما على العيون والأبدان والأنفاس وتبادل الطرق على الأعناق وحوار المعاصمِ. إنهم حاملو قائمة الممنوعات العراقية المعاصرة، المزمجرون، والنابشون مخالب التاريخ كما قرأوه لهم ، الضائعون والعاطلون والذين لمتهم مكاتب أحزاب الحرية لتنفيذ أوامر من ضاقت به السبل وضيقوا بالباقين ثقب الإبرة المسموح بهِ ، نعرض مناجاة الممنوع والمسموح في العراق المكروب بالقشور لا بنفائس الجوهر، بالمظاهر لا بالمداخل ، بالسطح لا بالعمق بالفهم الواحد الأوحد دون منح الفرصة الأخيرة للأنين اللجوج أخذ فضائه بالبوح بما يسري في الروح ورغبتها وتراكم الربيع تلو الآخر على النافذة المصونةِوهي الصور التي ابتكرها العراق الجديد بلا انغماس مفتعل من الألوان والعدسة، نترك الخوض فيها لرهان الحياد والتسمر كثيرا قبل لفظ الحقِ.
الإعلان والزفت
الإعلانات في العراق أصبحت قضية لابد التوقف عندها لوحدها، لكن هناك من استدرجنا في حوار الممنوع والمسموح، ذلك الذي سولت إحدى شركات الموبايل لنفسها تثبيته في كل ساحات وشوارع بغداد، لصورة هاتف نقال بجانبه فتاة مزهوة بهِ . لم يتركوا هذه الفتاة تستقر في حديثها الإعلاني وحسب معلوماتنا لم ترتد ما يخدش الحياء، بل ما يمكن مشاهدته حيا من بنات العاصمةِ بعد ساعات فقط ، رشوا هذا الإعلان بالزفت بطريقة غير تشكيلية علىالإطلاقِ والواضح ، أن القائمين على مشروع تلطيخ الإعلان والمعترضين على خرق حشمة العاصمة، لديهم إمكانات لا يستهان بها، فأولا، نفذوا العملية بسرعة بالغة، وثانيا، لم يسلم منهم إعلان واحد في طول بغدادوعرضها، بمعنى أن لديهم المزيد من الزفت، وكذلك لديهم رافعات أوصلت زفتهم الى أعلى مكان تنتصب فيه هذه الصورة الملطخةِ. وإذا كانوا لم يتحملوا رؤية فتاة مبتسمة بالجينز والموبايل في صورة، فكيف سيتحملون رؤيتها على أرض الواقع ، هذا الواقع الذي يتطلب من القائمين على حقوق الإنسان توفير مغاسل شرعية وعمومية ومجانية لكي تهرع إليها الفتيات مستقبلا، للاغتسال من الزفت الذي سينزل عليهن في أي لحظة من السماء، ما أن يفتي أحدهم بذلك، أو يداوي آخر جراحاته النفسية وربما الجنسية، بالثأر منهن، بلا رحمة بالثروة الوطنية ونقصد بها الزفت لا أقدام النساء بالطبعِ.
محنة العركجية
في العراق يسكرون منذ عهد الخلفاء وأمراء المؤمنين، ولم يمر عقد دون ظهور عبقرية بحجم الحلاج وابن هرمة وأبو نواس والبحتري، ولم يقتصر الأمر بالإمتاع والمؤانسة وآلاف الأبيات الشعرية التي خلقت في العراق منذ العهود القديمة، ما يمكن أن نسميه تجنيا على المدارس الشعرية " أدب السكر ".
وكما للروس الفودكا والفرنسيين النبيذ والاسكتلنديين الويسكي والأرمن الكونياك والمكسيكيين التيكيلا ، للعراقيين مشروبهم الوطني الذي يفتخرون به أيضا وهو العرقِ. والعرق رخيص ومكوناته بسيطة وشراب اشتراكي الى حد بعيد، كان يكرع منه الملك والحوذي في ليلة واحدة والسيد مع الماركسي في حلقة مشتركة، ومزاته أيضا متاحة للجميع، والكل راض بعيشته وعرق يومه وجبينهِ.
وكان صدام يلعب من وقت لآخر، مع الشعب، " لعبة العرق " ، فتارة يمنعه، وأخرى يعيده بمكرمة رئاسية ، وثالثة يزيد سعره، ورابعة يخفضه، وكان الناس مهمومين بسعر لتر العرق، أكثر من هموم أوبك بسعر برميلالنفطِ. هكذا عاش العراقيون جيلا بعد جيل، الجميع يعرفون سعر" البطل" ونوعه، لكنهم لا يبالون بالبرميل ولا بطريقة استخراجهِ. وبعد قيادته 'الحملة الإيمانية' على كبر، أغلق صدام البارات والمطاعم الشعبية تقريبا التي تقدم الفواحش، لكنه لم يمنعها في الأماكن التي يترددون عليها ذات النجوم الكثيرة، فكيف يمارس هؤلاء الرعيةويعيشون مثلهم، فحرمهم من هذه الجلسات، لكنه لم يغلق محلات بيع الخمور وسمح للناس البيع والشراب في بيوتهم فقط، وكأن الأمر حرام في مطعم وحلال في البيت ! ولى صدام وانقضت أيامه، لكن الحكاية لم تنته، فالمتحزبون الجدد منعوا، كل حسب طريقته، تداوله وشراءه وبيعه وحمله، ففي الفلوجة يجلدون وفي المدن الجنوبية من البصرة حتى الكوت يقتلون مباشرة دون رفة جفن ، وفي بغداد يفعلون هذه وتلك ويحرقون محلاتهم ، ناهيك عن التنكيل بهم بقسوةِ وأصبح العركجية مطاردين بعد التحرير كالبعثيين وربما أكثر، ولأنهم عركجية، فهذه الإجراءات لا تغير في الأمر شيئا، وهم في كل الأحوال يسلطنون أمام البطل كل ليلة ، فماذا يفعلون؟ وما الذي يجري في " الملف العرقي " في البلاد ؟ كما يقال سيماؤهم في وجوههم، فأن هؤلاء يعرفون بعضهم بعضا، البائع يقرأ المشتري من عينيه، ولكي لا نزيد في مناقشة هذا الملف نعرض المشهد التالي الذي يستطيع من يطبقه حرفيا من العراقيين الحصول على نصف بطل عرق مغشوش بدون أن يقطع أحد عنقك أو يجلدك عند أقرب مرحاض عمومي : عليك جمع معلومات كافية ووافية عن الأماكن التي يتواجد بها الباعة السريون للخمورِ عن طريق المحلات وأصحابها القدامى، لا الجددِ ولا ينتهي الأمر عند معرفتك أماكن تواجدهم، بل عليك التقرب منهم والتظاهر بأنك " عفطي " ومخلص وسكير درجة أولى بترديد المصطلحات المتعارف عليهاِ وباعة الخمور، يتبعون أساليب مختلفة في التنكر، فمنهم من يضع أمامه فلينة فيها وعليها بعض علب البيبسي والمشروبات الغازية ومنهم من يجلس أمام بسطة عليها بعض قناني العطور المملوءة بالماء والصبغالأحمر والأصفرِ وعند العثور عليهم، يقوم المعني بالخطوات المذكورة آنفا، ومع ذلك سينكرون أيما إنكار، لكن الساعي يثبت على موقفه، وكلما أنكروا، ينزل أكثر فأكثر في لغة العركجية، حتى يطمئنوا له تماما، ويذكرواالأسعار وما موجود لديهمِ الخطوة الحاسمة التي تلي تبادل الثقة، هي أن بائع البيبسي والعطور المزعوم، سيدل الزبون على إحدى السيارات الواقفة في فرع قريب من الشارع العام الذي يصطاد به الزبائنِ يذهب الى السيارة وسيجد هناك ليس أقل من ثلاثة رجال مستعدين للموت من أجل هذه المهنة، سيدعونه للجلوس قربهم في السيارة، سيتبارون في تصعيد وتكسير السعر، وبعد الاتفاق، سينزل أحدهم من السيارة ليفتح الصندوق، ويجلب للزبون، وسط ظلام أرقش، قنينة، لا يعرف ما في داخلها ، سيلفونها بكيس وجريدة ، ومن ثقلها يعرف وزنها وليس نوعيتها ، سينصحونه بإخفائها بين ملابسه أو في جوف البنطلون، وفي هذه اللحظات العصيبة، تكون قد انقضت أكثر من نصف ساعة، ويمكن اعتبار المهمة قد أنجزتِ.
مكاتب التفتيش
بعض الأحزاب التي تعد نفسها دينية، وخاصة في الجنوب، شكلت عمليا وبمعرفة السلطات التي لا تريد التصعيد معها لباعها النضالي في مقارعة الدكتاتورية ولكونها تملك ميليشيات مسلحة يمكنها تنغيص حياةأهل الحكم بمعارك جانبية، وفي داخل مقراتها الرسمية ما يشبه مكاتب الاستجواب ، ترفق معها زنزاناتِ بمعنى، يوجد لكل حزب من هؤلاء محققون ومعتقلات، وأحيانا ينفذون الحكم مباشرة في المقر ويلقون بجثةالمحكوم عند أي داهيةِ يقولون بأنفسهم وعبر صحفهم بأنهم عملوا الأمر مع 'المجرمين البعثيين'، لكنهم وإن فعلوا ذلك تجاوزا على قوانين السلطات الرسمية ، استغلوا سكوتها للأسباب المذكورة، وصدقوا بأنهم يمتلكون الحق في إرهاب الناس الذين تقول أدبياتهم الحزبية بأنهم ناضلوا من أجلهم ، ليتجاوز الأمر على مجرد " اجتثاث المجرمين من أركان النظام الفاشي " الى استدعاء واستجواب وتوقيف من يخالفهم الرأي والملبس واللحيةِ وصل الأمر الى تكرار حرفي وبالمسطرة لأساليب النظام السابق، فيعتقلون مثلا، شابا ردد نكتة عليهم أو من سمعوه يزيد من صوت تلفازه الذي يبث " روتانا " أو " دريم " لأن ذلك قد يؤثر في ميكروفاناتهم المنصوبة في أي مكان يرغبون، أو من لم تستجب نساؤه للتحذيرات والإنذارات التي قدموها لرب العائلة بضرورة ارتدائهن الحجاب، أو من لا يتردد على نشاطاتهم أو أي شيء آخر في نفوسهمِ. يشتكي الناس جدا من تصرفات هؤلاء، لاسيما المداهمات التي يقوم بها حزبي يرافقه مسلحون ، لحرمة عائلة ، لاستدعاء واحدة أو أكثر من نساء البيت للاستجواب في " مقر الحزب " ، والتهمة جاهزة ومكررة وبليدةِ.
صور في المشرحة
كنا نتساءل سابقا من باب حرقة النفس: كم من الوقت والجهد تتطلب منا إزالة صور صدام وتماثيلهِ لكن عندما تحررنا منه، وجدنا أن المسألة لم تستغرق أي وقت، فقد كانت طبيعية وبمشاركة عامة ولم يشعر أحدلا بالجهد ولا بالوقت، كانت في الكثير من الأحيان تعبيرا عن الضيم والتنفيس، وأحيانا أخرى للتسلية وأخذ الثأر باليد ، لذلك لم تكلف الشعب لا مالا ولا وقتا ولا أعصابا مهدورةِ.
غير أن الصور بقيت على حالها، مع الجداريات، فالذي تبدل أن الإطار بقي والصورة اختلفت، وبدلا من بطل واحد للفيلم، ظهرت الصور والرسامون والخطاطون واللافتات وغيرها من صور لا عد لها، تكاد تفوق ما كان للبطل الوحيد.ِ يتساءل الكثير من الناس، من أين جلبوا كل هذه الصور، وكيف تسنى لهم طبعها وكيف وبكم ؟ وهل كتب على العراقيين رؤية الجزء الثاني من الفيلم بأبطال جدد ؟ طردوا عميد كلية العلوم بجامعة بغداد، وحسب قرار الوزير المطبوع فإن سبب طرده أنه " طائفي " ، غير أنه لم يسكت وشن عليهم حملة في الصحف المحلية وأوضح موقفه وتبين أنه منع الطلبة من إغراق الجامعةباللافتات والصور حتى داخل المحاضرات والمختبرات العلمية، وقال لهم ببساطة وكأي أستاذ في العلوم، ان هذا المكان للعلم وليس لشيء آخر، ويبدو، حسب قوله، كان هذا كافيا، لطرده بفضل تقارير الطلاب المنتمينلحزب الوزير ( السابق ). ِ ولا يستطيع أي سائق رؤية إشارات المرور ولا اسماء الشوارع، لأنهم ألصقوا الصور على هذه الإشارات وبدلامن التأكد من إشارة السماح بالوقوف أو الالتفاف يمينا أو شمالا أو فوق حدر، تطالعك صورة ! ولعل مختصا في علم توجيه الرأي العام أو عالم اجتماع أو خبيرا سياسيا قد يجد تفسيرا لظاهرة الصور في المختبرات العلمية وقاعات الدرس والمطاعم العمومية والنافورات على السواء، لكن ما يحير فعلا، إصرار أصحاب الصور على تعليقها حتى على جدران مشرحة وثلاجة الموتى في بغداد !! فهل يريدون كسب الأموات لحزبهم في الجحيم على الأرجح؟!
مسميات مفروضة
وكرروا حرفيا عادات صدام الكريهة بتسمية المدينة باسمه وساحة المدينة باسمه والجامع والمستشفى والمدرسة في المدينة التي تحمل اسمه باسمه أيضاِ. والجماعة ، لم يغيروا في الاسم شيئا ولم يعيدوا التخطيط ولا القطعة ولم يجلبوا خطاطا شرعيا، كل ما فعلوه، أنهم بدلا من صدام، رفعوا الألف والميم وخطوا حسب إمكاناتهم حرف الراء !! أو يجلبون " سبريه " رخيصا ويخططون فيه على شارع " الكرادة داخل" المعروف بترتيبه وانفتاحه وتنتشر على جوانبه محال الكوافير وصالونات الجمال ويتمشى فيه من يبحث عن هذا الجمال ويعد وكرا مثاليا لباعةالعرق والويسكي المذكورين في زاوية أخرى من هذه الرسالة، هذا الشارع المعروف بأريحيته، يختارون اسما لا نريد ذكر مقامه في هذا التعليق ، فكيف ارتضوا أن يحمل هذا الشارع بالذات اسما كريما مقدسا لهمولنا ؟!
وثمة ساحة متروكة في الوشاش البغدادية، يلعب بها أطفال الحي كرة القدم، كأي ساحة أخرى، نصبوا فيها قطعة كبيرة وأطلقوا عليها "ملعب شهداء الإسلام " وخطوا اسم الحزب بالفرشاة العريضة ! أطفال لديهم كرة قدم فحسب ويلعبون أمام بيوتهم، جعلوهم شهداء للإسلام، ولا نعرف فيما إذا كان الشهداء يلعبون كرة القدم على حساب هذا الحزب أو غيره ؟! فرقة حزبية كانت مدرسة، أبقوا كل شيء فيها، وجعلوا منها "مدرسة المصطفى للنساء "ِ وهذه ليست مدرسة ، فوزارة التربية لها مدارسها للبنين وأخرى للبنات، هي مجرد مقر لفرع حزبهم النسائي، استحوذوا على المبنى، وصادروه، وجعلوه بشكل ما، مقرا لنشاطهمِ
أصلف المسموح
تعلو يافطة ضخمة، في تقاطع مهم وسط بغداد، يكتب عليها : الولايات المتحدة الإسلامية ـ العاصمة ـ بغدادِ.
ما هي هذه الولايات وماذا يقصدون بها؟ نبحث بطريقة للوصول الى هذه الولايات، هل هي محل ، أم تنظيم جديد ؟ مدرسة أم أكاديمية ؟ لا نجد أي أثر، سوى للإعلان المثبت ! ويمعنون في المظاهر والتظاهر، عندما يسمون العيادة الطبية في حي الخضراء ببغداد ب " العيادة الإسلامية " لأن التسمية غير مفهومة طبيا، فهل يوجد طب إسلامي وآخر غير إسلامي، وهل يوجد تطبيب شرعيومعالجة على نحو آخر، ماذا يعني أن تكون العيادة إسلامية ؟! ولم يسلم حتى مرحاض عام رسمي مسجل في البلدية من كتابة شعاراتهم ومواعظهم الدينية وفتاواهمِ ، ويمكن تصور الانحطاط في الذوق وفي الدين ، عندما تكتب كلمة " الإسلام " على مرحاض عمومي!! هذه اللوحة جسدت بكل صلف مجمل تحقيقنا في الممنوع والمسموح في العراق المنكوبِ.

ديمقراطية الجدران: مؤلفات الحرية المباغتة


العراقيون يؤلفون أحلامهم على شجرة محترقة أطلـّـت برأسها على أفق مغبر..
يكتبون الحرية على الأعشاش المجدبة والعين المسمية والنصل الواصل والقمح الموصول وعلى القليل المتجرد والكثير من رجفة الشمس المترددة على هواهم ..
على حوافر الأسلاك وضمن النسب المئوية ويطلون أحرفها على الأضرحة ويمررون برقها عند حواف السواقي وسنابك الروح ..
على بقرتهم المدللة وجبين الرضيع المفطوم
على الهدايا البكر والتراب المنفلت من الأزقة
يكتبونها ابتكارا ويخطونها اختصارا ويرسمونها وسخا
على العقول الإلكترونية وشرائح الموبايل المتقطع الموجة والإرسال
على جلد المدينة وألمها العكر وقلبها المفروك
على دمائها الزرقاء وبرودة أيامها وظلها المتطاير
أحرف وكلمات وعبارات اختصروا بها جادة نشر الغسيل النظيف والقذر والسلام غير المعلن للحرب الصارخة كل يوم نارها باكتشاف المسرح المجاني لتشتت الآراء والمعاني في اشتعال الصباح عن بكرة نوره المبلل عند إضاءات : صحف الجدران !

إعلام المهمشين

لا يوجد أحد في العراق الراهن لا يستطيع التعبير عن رأيه !!
ومهما بلغ فقرا مدقعا ، فباستطاعته شتم من يشاء وقت تهيج فيه عواطفه أو يلثم إحساسه أو تضطر أعشابه للميل من ريح أو يحملونه ما لا يريد أو يقدر.
وإن لا يمتلك شيء في هذه الدنيا ، فيستطيع استعارة طباشير من تلميذ أو الاستعانة بفحم المقهى القريب وفي كل الأحوال سيغمس فرشاته حتى بالوحل من أجل كتابة رأيه وخط ّ ما يرجعه الى بيته مرتاح الخاطر ، لاسيما وأن الجدران والحيطان كثيرة ومباحة ولا يفرض عليها أحد ضريبة ولا أتاوة ولا تحتاج الى تصريح نشر أو موافقة رقيب.
هكذا تحولت الجدران في العراق الى أقوى وسيلة إعلام للمهمشين والمقموعين والمنتصرين والمهزومين والمقتولين والقاتلين وللحالمين والموهومين ومن جفّ الحديث عنهم ومن يلهون بالمكر ومن ينهكون خاصرة البلاد ومن يبنيها ومن يسرقها ، لمصبها ونبعها ، لمن يبذر فيها الرز ومن يشعل الفتنة.
تجريد منفلت ، سهول من مفردات غريبة لا تصلح أبدا للنشر ولا للتبادل ولا منح القفار وردة مزيـّـنة.
أنها ديمقراطية طفلة مأخوذة بزغبها الأول البارز توا على جسدها كناموسية لبلاب.
برقيات مجانية
إعلاناتهم وإعلامهم لم يكلفهم ثمن فحمة أو طبشور. و حتى الذين ينقشون هذه العبارات ، متطوعون في الأغلب.
وما يخطونه يتميز أحيانا ببراعة الاختصار ، فقد يداهمون خطاب لمسؤول كبير بترقيع حائط وتقريع رغبته وتفنيد لما قال وسيقول. وليس دائما خلو برقيات الحيطان من فوائد أو التبشير بإشاعة ، لغرابة البلاد ، أنها سرعان ما تتحقق !
فيها الاحتقان والشجب ، المساندة والتنديد ، الدعوة ورفضها ، الطمأنة والتهديد ، السبّ والتمجيد ، المحبة والإخاء جنبا الى صف التحريض بالقتل والنار ، بظاهر ملموس وطي ّ الاحتمالات داخل نفير الكلمات.
العدد صفر
كالصحف تماما ، فقد كانت منشورات الحيطان تواكب العصر واليوم بالدقيقة.
وملاحظة لتطورها منذ شعارات اليوم الأول للحرية ، فقد كان مؤلفو الجدران يركزون على شتم صدام حسين وجماعته ومن ثم انتقلوا للوعيد بالبعثيين ومنها بدئوا يعرفون بأنفسهم ويذكـّـرون الناس بالمنقذين الجدد الذين سيطفئون الحرائق ويداووا أمراض الوطن ويرووا العطشان ويطعموا الجوعان ويدفئوا البردان ويزوجوا العزبان ويسمعوا الطرشان ويكلموا الخرسان.
اختصرت الأعداد الأولى من كتابات الجدران موادها بالتبشير ولعن الماضي وطغاته وحروبه وديونه في أولى صفحاتها. بينما احتوت صفحاتها الداخلية والفرعية على نصائح بضرورة الحفاظ على المال العام وأن سرقته حرام ( بالتأكيد كان لهذه الشعارات المنددة بالسرقة والنهب وحرق الممتلكات العامة دورها الإيجابي في ظل غياب كامل لأي سلطة من 9 أبريل المشهود الى مفتتح يونيو من العام الموعود ).
وفي كتابات الجدران ما يشبه صفحات القراء في الجرائد ، فكل مكبوت وما فاضت به الهموم وما هرعت إليه الهواجس وجد له حيزا في فوران التعبير هذا.
جدران الأحزاب
وكان التسابق في أشده بين أحزاب كنا نعتقد بأنها محترمة ، غير أنها نزلت أيضا بوانيتات المتطوعين الملثمين بـ " السبريه " والشعارات التي كانوا يخطونها على عجل وتظهر كخربشات غير مفهومة ، لأن الجماعة لم يمتلكوا خبرة الكتابة بالسبريه.
و " السبريه " ملون ، وهذه الألوان كانت أيدلوجية أيضا ، فكل حزب كان يمطر الجدران بشعارات يشبه لونها ، الذي يحمله علم الحزب والحركة.
ولعل جدار واحد في ساحة التحرير مقابل النصب المرموق والهام للتشكيلي الرائد جواد سليم ، الأكثر تلطيخا ، إدراكا منهم بأن نصف البغداديين يضطرون للعبور الى الكرخ من الباب الشرقي عبر هذا الجدار.
اعلانات تمليك
ولعب " سبريه " الجدران دوره في السرقات المنظمة التي قامت بها "الأحزاب الكبرى" التي حصدت حصة الأسد الآن في الجمعية الوطنية برشها على المباني الحكومية العبارة الأثيرية البالغة العار والتأثير على نفوس الناس المندهشين من تعطش هؤلاء للسلطة والتملك ، حين سمحت لنفسها وأعطتها الحق في الاستحواذ ( ليومنا هذا ) على مباني الدولة ومقار مؤسساتها بعد أن خطت على جدرانها ومداخلها الرئيسية عبارة : " مملوكة لـ .... " وأحيانا كثيرة بحزم وقح : " محجوزة لـ ... " والنقاط أسم الحزب أو الحركة بالطبع وليس لدار الأيتام والعجزة ولا لذوي الشهداء ولا للمرحلين ولا للمهجرين ولا للذين جاءوا للدنيا لكي يحزنون.
كان شعار أخرق ، يخطه مسلحو الوانيتات والجيبات ، كافيا لأن تضع الحركة أو المناضلين يدهم وأوزارهم على مقرات صحف وبيوت ومعامل ومؤسسات ودوائر عسكرية وقصور وأسواق عامة ، اعتقد الناس ، بأن مقدمهم سينهي حالة النهب الرسمي الذي كان النظام يمارسه بما يعتبرها قوانين ، على الأقل ، وليس بـ "السبريه " !
وحذا البعض حذوهم بالحق أو بالباطل ، فتقرأ على جدران بيوت كثيرة عبارات ليست قانونية مثل : " رجع الدار الى السادة " ، أو " الدار مملوكة للحاج فلان الفلاني .. " أو " عاد الملك لصاحبه الشرعي بعون الله .. " وغيرها من إعلانات التمليك التي غزت بيوت كثيرة في العراق ، لاسيما تلك التي هرب سكانها ، الذين كانوا بدورهم قد صادروها أو سرقوها من أصحابها الحقيقيين ، الذي يعلم الله وحده مصيرهم.
عطشى الكلمات
أصبح كل شخص في العراق رئيسا لتحرير الجدران تخط أصابعه الرجاء وحروق الكلام والأحرف الذائبة في متاهات السنين الماضية وتراكمات الكيانات البشرية التي أمحى القمع رسوخها وإشعاع أفكارها وعناقيد الجمر والغضب التي حملتها طوال الأعوام المأسورة برجـّة الأعصاب التي أنهكها التعذيب والإهانة واللغو والفكر الأوحد المتناثر على يباس العقول والمسرى المنفرد للمفازة.
لم يتطلب الجمر الذي كان العراقيون يتناولونه في الصحون تصفيف حروف ومصححين وورش طباعة وحبر وورق وتحميض صور وموزعين ، فالجدران ومفعولها السريع كانت تنشر آمالهم وظفرهم واللهب الكاسر الذي مزق ندوبهم.
وقسمت " صحف الجدران " العراقيين أيضا ، فلم تكن رغباتهم واحدة ، كما كراهيتهم وتوقهم وقناديلهم وأوجزوا بعد مضي بضعة أشهر من " غزو الحرية " المباغت ، مواد الدستور الذي ينادون به.
ويستطيع من جمع كل الشعارات والتأويلات والأحرف الزاهدة ، الخروج بدستور ابتكره الناس كمذراة مرآة ، لعله انعكاس للوجه والحق وغوص في حلم منوّر بنوده الشك واليقين ، الخطأ وصوابه رخاوة العادي ورحلة المألوف لمساء جديد لن تنبض فيه أفئدة الناس من الخوف.
براثن الأفكار
بمثابة الإمساك بالفوضى وإنشاء قاعدة للتعبير ، اشتركت كل الأحزاب والشخصيات السياسية بمارثون إعلام الجدران ، ولم يخل أي جدار في العاصمة تقريبا ، لاسيما الواقعة في التقاطعات وقرب الساحات ومراكز تجمع الناس من حملات استعراض الخط الرديء والعبارات الممجدة والمنددة والمستطردة كثيرا في أحلام الخلق.
بالمستطاع قراءة آيات بأخطاء إملائية وأحاديث لم يحققها أحد وتعاليم لم يخلق بعد من أفتى بها. وربما كان الإسلاميون بكل مللهم وطوائفهم أكثر من استخدم الجدران وأكثر تنظيمات تمتلك الدهان والصبغ.
فهؤلاء لا يكتبون على الجدران فقط ، بل يطلون بشكل قبيح من كتب قبلهم وبالقرب من حيطانهم !
وثمة جدران فيها من يتوعد المتعاملين مع الأمريكان وبالقرب منهم هناك من يتوعد البعثيين ويشتمهم ووسط هذه المماحكة ، شعار يشطرهم ليهدد الاثنين معا.
فدولة الخلافة الإسلامية أنشأت في جدران العراق قبل أن ينتخبوا البرلمان بأشهر ، والشيوعيون ألغوا عقوبة الإعدام قبل أن يناقشها مجلس الوزراء ومجموعات أعلنت الجهاد قبل أن تصل الأوامر من بن لادن وعندما يعلن الأمريكان منع التجول ، ثمة ظرفاء يكتبون : يمنع تجول الأمريكان بعد التاسعة مساء !
سياسيون وتعساء وحشاشون وعاشقون كلهم جمعتهم الجدران التي تحولت الى وليمة أفكار فيها المحارم ودعوات الأعراس وإعلان الاستشهاد وقهر الليالي وإعلانات الحب والعتب على المعشوقة التي نست الاتصال وشاعر كتب قصيدته عنوة وقصدا ضد من منع نشرها وثمة من علق قصيدة شعبية طويلة تحت أقدام شاعر معروف ( تمثاله بالطبع ) وهناك من بشر العراقيين بأن مفتاح نجاتهم السير على هدى " الكتاب الأخضر " وإعلان شجاع فيه عفو عام عن كل الهاربين من الرفاق البعثيين وثمة من يفلسف الجهاد ويوقع في الأسفل " قائد جيوش السماء " !
الكشافون
وأزهرت ديمقراطية الجدران مهنة جديدة ، غير الصباغين والخطاطين وسائقيهم وحمايتهم ، أولئك الذين يتجولون يوميا والذين يسمونهم "الكشافون".
وتنحصر مهمة الكشافين ، في التجول اليومي ورصد كل الشعارات "المعادية" وتلطيخها بحيث لا يظهر منها شيء ومحاولة رصد من كتبها وملاحقته وحتى قتله !
والمهمة الأخرى هي تعيين " الجدران الاستراتيجية " التي ينبغي تخطيط الشعارات عليها وتحديدها على أن تكون طويلة وعالية ومصبوغة جيدا واشتهرت أماكن مثل ساحة الميدان والباب الشرقي والأعظمية والمنصور واليرموك والحارثية والكرادة ودائرة المخابرات والبياع ومداخل بغداد والخطوط السريعة والكراجات ووصل الأمر الى أن باب المعظم أسموه "شارع الشعارات " !
ويقرر " الكشافون " مناطق تعليق الصور أو طلاء صور أخرى أو تعليق الصور الخاصة على صور الخصوم وإن كانوا كلهم موتى !
حرية مشروطة
والطريف أن الأمريكان الذين عاشروا الشعب أكثر من أربعين يوما صاروا مثله وأثبتوا صحة المثل ، فدخلوا بدورهم على الخط ، فأصبحوا يخطون شعاراتهم وتحذيراتهم وتعليماتهم بالإنكليزية والعربية على الجدران أيضا ، وليس هذا فحسب ، فقاموا باعتقال من يروج لكتابات الحيطان ليس حفاظا على جمال المدينة ، بل لأن الكتابات تأتي أحيانا ضدهم وتشجع على الإرهاب. وأرهقوا أنفسهم وأهدروا وقتهم كثيرا في إزالة شعارات ، بل حيطان بأكملها من الوجود بعد تدميرها لكتابة مثل هذه الشعارات المضادة لهم أو للممجدة بأعدائهم ، وشاهد الناس أجمعين كيف يوقفون رتلا عسكريا ماشيا بدربه لكي ينتزعوا صورة لمقتدى الصدر أو غيره.
ثلاث كلمات مميتة
يجدر التذكير بأن النظام السابق أصدر قوانين وقرارات وأحكام دخلت للقاموس الجنائي العراقي فيما يخص الكتابات على الجدران.
ونذكر بأن أول فتى أعدم في منطقتنا ، ولم يبلغ السادسة عشر بعد ، بسبب كتابته جملة كانت في ذلك الوقت كافية لفتح أبواب الجحيم عليه ، جملة لم يستطع الانتظار 30 سنة ليكتبها مع الآخرين ، هي بسيطة وتتناسب مع وعيه البريء : " يسقط حزب البعث " فقط ، لا غير.
دعوات الموت
المحرومون والمكبوتون من يعبرون أكثر من غيرهم بالكتابة العشوائية على أي مكان ، البحارة ، المسجونون ، الجنود ، التائهون وغيرهم. والملاحظ أن صحف الجدران العراقية تنذر بالموت أكثر من محاكاتها للحياة والأفكار. ولا تهدد الأمريكان والعملاء والبعثيين وغيرهم بالموت فحسب ، بل تذكر مفردة الموت دائما وفي كل مناسبة ، وإن أرادت تمجيد أحد ، فهو ميت أيضا !
وبالإضافة للموت ، فكتابات الحيطان ، متطرفة ، وحازمة ولا يوجد فيها أدنى فسحة للجدل مثل : " الدولة الإسلامية هي الحل " وخلاص.
كذلك هي مفهومة للغاية ويمكن قراءة ما يعادل صحيفة ضخمة طوال تجوالك في المدن العراقية ، زد عليها الصور المختلفة ، المرسومة والمستنسخة والمطبوعة جيدا.
لملمة الآراء
المحررون أهدروا الكثير من الأموال على الصبغ. ولعل مجلس إعمار العراق وإدارة بريمر تخصصت بالطلاء. وباسم إعادة التأهيل والإعمار كانوا يصبغون المدارس والمستشفيات ومؤسسات الدولة ويبلعون النقود بلعا ليكتبون في الوثائق بأنهم فعلوا كذا و كذا في مشاريع وهمية.
وتوارثت السلطة العراقية " داء الصبغ " ! فالمعروف أن أمانة العاصمة ترأسها الكثير من " الأمناء " ، فمنهم من أغتيل ومنهم من نهب الأموال واختفى في أرض الله الرحبة والمثير أن كل واحد منهم يستلم المنصب يوعد أهالي بغداد بإزالة منشورات الحيطان التي تعتبر وسيلة غير حضارية أزهقت جمال المدينة كما أنها " تشوه صورة بغداد وتسيء للذوق العام ". والكلام الأخير ليس من تأليفنا ، بل هو تصريح رسمي لأمين بغداد الذي قال أيضا بأن أسماء كبيرة و " لامعة " نقشت بشكل عشوائي الأمر الذي يسيء لها.
هذه الأسماء " اللامعة " كانت أكثر من ينتقد صدام على هوسه بالصور والجداريات ( هي فرع من صحافة الجدران التي نتحدث عنها وقد أنشأ صدام لها هيكلا متخصصا تابعا لرئاسة الجمهورية ) ، نفسها من انتقدته أعادت هذا التصرف وبشكل أبشع من السابق ، فالهيكل الذي ذكرناه كان يعتني بها ويرعاها ويزرع بعض الزهور حولها وينظف المكان المحيط بها ويرممون الرصيف بالمرمر الذي تطل منه صوره ونصائحه الخالدة.
والجماعة لم يحتلوا صور صدام فحسب ، بل استغلوا أعمدة النور وإشارات المرور ومنصات الهواتف وحديد الجسور ، بشكل ذكرنا برجل أدعى الجنون على الأرجح ، كان يمشي في شوارع بغداد ويعرفه كل سكان العاصمة ، ويردد كلمة واحدة لا غير جعلته مشهورا وهي " شيلمها " ( أي كيف سيتم لمـّـها ) ويقصد كل الصور والشعارات الكثيرة جدا التي ذاع صيتها تلك الأوقات. ومعروف أن الزمن تكفل بلمها في أقل من يوم !!
تعليق على تعليق
يقول قراء الحيطان الذين أسمهم الشعب ، بأنها جزء من اللعبة الديمقراطية و أنها تسويق رخيص لبضاعة فاسدة ، ويعلق آخر ، حتى لو كانت بضاعة جيدة ، فوجودها على الحيطان يفسدها ، فيما تساءل ثالث : لماذا لا تبني الأحزاب الجدران بدلا من تلطيخها ! وفي هذه اللحظة رد عليه رابع : ولو يبني كل حزب جدار خاص به يعرض عليه برامجه ويطرح شعاراته طالما لا يقرأ كل الناس الصحف. ويعتقد من يعتقد بأن الجدران أصبحت حكرا عليهم كالمناصب ، بينما أكد أحدهم بأن شركات إعلان دخلت هذه الفوضى النادرة والممتعة بنظر البعض الذين أكدوا على أن الجدران تخبرهم أحيانا بآخر الإشاعات والأنباء التي لا يستطيعون سماعها ولا قراءتها في وسائل الإعلام التقليدية.
اجتماعيون ونفسيون
يعتبر أساتذة علم الاجتماع العراقيون بأن هذه الظاهرة تبلورت من خبرات الفرد الخارجية وتجاربه وثقافته وانبعثت كوعي اجتماعي. ولا يستطيع الفرد التنازل عن شعاراته إلا بتبدل قيمه ونظمه وشعوره.
والكتابات تعد شكل المجتمع التي أنتجها ، حيث لكل جماعة رغبة في أن يكون لديها رمزها وشعارها المعبر الذي تلعب الأحداث في صياغته وتتلخص في شعار مفترض تطور ليصبح صيغة للتعبير تعكس حاجة الفرد للحرية التي حرم منها لسنين عديدة.
وفسر السيكولوجيين المحليين هذه القضية بسبب وجود " حالة مربكة للعقل البشري " تؤدي الى فوضى التعبير وتناقض اتجاهاته وطرق تقديمه. وأكدوا على أن الشعارات الفوضوية تجد صداها لدى فوضويين يتعاملون معها. والاستجابة لما يكتب على الجدران تأتي عادة من الأوساط الاجتماعية غير الواعية. مشيرين على أن المشكلة تكمن في أن الناس يطلعون على هذه الكلمات أكثر من إطلاعهم على الصحف والنشرات التقليدية. كما أن الفوضى في الشعارات ترتبط بتغير الأوضاع السياسية وهي انعكاس لفوضى الواقع السياسي والاجتماعي وجهلا في جوهر ومعنى حرية التعبير.
جدران الحرية
للتاريخ العراقي المعاصر تجارب مع الجدران ، فقصيدة " أين حقي " لمحمد صالح بحر العلوم نشرت على الجدران فقط وانتشرت أكثر من أي خطاب سياسي آخر وكذلك رائعة محمد مهدي الجواهري " أخي جعفر " وأبياته " نامي جياع الشعب نامي .. " مدت أحرفها راكضة في ظلام البلاد وفرضت المحك في سنوات المحنة.
وقديما أجبروا عبـّاد بن زياد على محي ما كتبه على حيطان الخانات ضد الوالي بأظافره حتى تكسرت وفي الثورة الفرنسية الأولى ولغاية الاحتلال النازي كانت المقاومة الفرنسية تستخدم الجدران وكذلك في الحرب الأهلية الإسبانية كانت قصائد لوركا متناغمة مع أغاني الثوار. وفعلها مايكوفسكي ورفاقه في موسكو وكذلك يسينين ورسم بيكاسو و ديلاكروا على الحيطان وغيرهم في التاريخ المحرض لا يتسع الحديث للتوقف عندهم.
لكن سريالية العراقيين وصلت الى حد اعتبار صدام " الأب الرحيم " في واحدة من الشعارات وأخرى تسب وتشتم كل الأطراف لو نجمعها لنخرج بشتيمة عامة للشعب برمته.
ولكثرة الإشاعات التي تصدق سيأتي اليوم الذي نعرف به أسم رئيس الوزراء المنتظر بواسطة شعار يهنئه أو يسبه بمناسبة تقلده منصبه !

دورة السلاح



" الأسلحة يجب أن لا تخرج من مخابئها إلا لخوض المعركة.
لأن الأسلحة مشاكسة كالصحراء. فان نحن أخرجناها من دون
هدف ، فيمكن أن تحرن. وإذا لم تستخدم أي قطعة منها ، غدا ،
فسوف تكون هناك واحدة على الأقل ، لكي تستخدم ضدك أنت "
-باولو كويلو-


ستخترق الزحام غير المتناسق لجماهير بينهم تجانس فطري ، تتدلى من أعناقهم وأكتافهم وحتى من أصابعهم وأظافرهم بقايا بنادق ومسدسات وتعبأ في مسالك أرديتهم المتنوعة قنابل يدوية ، رمانات ، يلهون بها كمسبحة أو دمية.
ليسوا غير أجسادا آدمية تخطو مستجمعة شتات موتها لتستبدله بأوان لم تقرره الجمهرة التي تحمل الضغينة جنبا الى جنب مع السلاح ، بين أسلاك التفريق ما بين الخطأ والصواب ، الدمار والبناء ، الدماء والطحين.
لا يمكن التكهن بمن يستبدل بمن في هذه الدورة الدموية المستمرة ، أعمار بالإعمار ، الرصاص بالرز ، أم بانفلاق وقت في حقيقته عبث السنوات التي أحصوا فيها الناس لكي يوزعوا عليهم البنادق بدلا من الدفاتر والحنطة.
هناك في المدينة الصعبة التحول بين مطلع هلال وآخر ، ترك الزمان كل آثاره المريرة على الأشياء والناس والعيون والبصائر وبحة الصوت ولون البشرة ، لكن في تلك الظهيرة المغبرة ، الأخيرة ، حيث الموعد النهائي لاستبدال السلاح مقابل المال ، كانت الممرات الترابية التي حددها الجنود الجدد للجنود القدامى ، بمسافة مشبكة بعمر جيل بأكمله عليه توديع مرحلة ليدخل أخرى ، ليس ابتداع تتويج ملك جديد ولا هي بالفضاء الآخر المنزوع من فتات المدينة ، ولا هي شعور يافع بالمسؤولية تجاه البلاد ، ولم تكن للأسف ، نتيجة عادلة لانتهاء العسر بالتمييز وباغتصاب الأمل بمطارحة غرام فاشل ، منتهك مع الحرية التي تدفقت كبركان لم يستوعبه أحد ، حرية لم يصمد على تحمل ملامحها أحد ، فانهالوا عليها بكل ما أوتوا من قوة ومن رباط السواعد وسخونة الأيام وجشع الاستجابة لسهولة الحرام والخبز المملح بالغبن وسماط المائدة الملطخ بوجع الآخرين وانهيارهم غير المتفق عليه ، في السقوط أمام تفوق الحرية وارتقائها وتبديل أجنحة الغربان بأنياب الذئاب وبناء جدارك من حطام جارك وبدلا من سحب محترق بالنيران ، نزع ساعته اليدوية وتركه في الزوال.
أنها حرية السلاح إذ ادلهم الظلام في الروح وانغمست النفس في محار الفساد وأمست حرية للسطو والانتهاك والتنكيل وتتويج ذبابات المستنقعات على فراشات الزهور وطلي الأرض بالحديد بدلا من نور الكلمات.
الحرية وباء يجثم على صدورهم و صلابة القانون الأبيض المنور للسنين القادمات لفافة ورق يحرقونها بجملة أو إشارة من كف ، والحرية والقانون ينحدران أكثر فأكثر الى القاع ، حيث يصطفون كأكوام بنادق أدت واجبها بدق الجماجم والعيش متى أرادت في السواد والبياض ، ضلال تحكم بابتهاج البلاد وتودعه في غرف الموت المركز ، مشاطرة وخيار كريه : فإما سلاح يغيض العراق ، وإما نقود تسر الجيوب !!
توأمة السلاح
كل ما قالوه عندما ضخوا في كل بيت عراقي المزيد من البنادق بأن الشعب سيحمي الثورة ومنجزاتها ، غير أن هذا الشعب بادر هو الآخر ما أن منحت له لحظات من الفرصة ، الى الهجوم على كل ما أسموها منجزات ، بالسلاح نفسه ، ليسرقها وينهبها بما في ذلك السلاح المخبأ لحماية هذه الثورة.
وكانت معادلة السلاح والسلاح المضاد غريبة في عراق السنوات الخمس والثلاثين الماضية ، فالجميع مسلحون ، بل مدججون بالسلاح ، وفي نهاية المطاف جاءت إليهم أقوام من شتى أصقاع الدنيا مدججة بالسلاح أيضا ، وتحول هذا الجزء من الكرة الأرضية الى شعب مسلح بالكامل يقابله غرباء يحملون ويستخدمون أسلحة أثقل من وزن بلادهم.
هذا القدر المباغت الذي أعد طبق من أسلحة متشابكة في أيدي كافة الأطراف ، أضف عليه السلاح الذي سرقته كل الأطراف المعنية من مخازن وترسانة النظام الذي عشق السلاح بدوره ، زد عليه الكرم البالغ لدول تدعي احترامها للنفس والعراق والتي لم تتوان من ضخ السلاح الجديد لكل ملة ترى فيها صلاح الأمة ومفتاح نجاتها ، فتحول العراق الى طبق شوربة ضم كل أسلحة الدنيا بتوابل أيدلوجية تحرم وتحلل وتكفـّر وتفرش موائد الإفطار مع الأنبياء على هواها.
السابقون واللاحقون ، حولوا العراق الى رقعة جهنم مصغرة ، الطفل فيه يبيع السلاح في المنعطفات وأسواق الطرشي و النسوة يخلين مقاعدهن للسلاح ويقفن في الطوابير ، دلالات وسمسارات القنابل والرمانات وصواريخ الهاون والعارفات بمديات الكاتيوشا وتاريخ انتهاء صلاحية الموت.
حسرة
سقطت قطرة الخجل ، على هذا النحو ، أصبح الأمر مألوفا ، يختبئ الرجال ، المقاومون للغزاة ، خلف الشبابيك التي أحرقتها أفكارهم ، ليتلصصوا على صبيانهم ونسوانهم ، وهن يحملن السلاح الى أقرب أسلاك شائكة وممرات التراب والتزاحم على لعنة التاريخ.
بكامل الفهم الصريح والعميق للوقاحة يشهرون بذنوبهم وفوق ذلك يعيدون التصريح الذي اتفقت عليه بلدة بأكملها : لا نسلم السلاح الى غير الدولة !
ومن منعكم تسليمه للدولة حين كانت تتوسل وتبوس أقدامكم ، ولماذا تحملونها هذا " الشرط الجزائي " في العقد المبرم على طاولة العار ؟ بأي حق تسرقون أسلحة الدولة لكي تبيعونها إليها مجددا ؟ وبأي حق تتقبلون أسلحة الدول التي لا تحترم نفسها لكي تقايضون بها الحكومة الفتية ، الفقيرة والمحتارة بدفع مرتبات المتقاعدين وسد منافذ المجاري وتعميد المياه وزرق الحياة بأسلاك الكهرباء واستئجار الشاحنات المسروقة منها من لصوصها لتنقل للشعب الطحين والرز ببلاش تقريبا ؟!
أهكذا تبنى الأوطان وبهذه الطريقة يتحول البشر الى خلق سويين في بلاد يطرز الموت في كل خلية فيها ؟!
هل هؤلاء اللصوص الذين سرقوا أسلحة البلاد ويعيدون امتصاص أرزاق الآخرين وجيوب الدولة وكانوا قبل أيام قليلة ، قليلة جدا ، يسرحون بأسلحتهم يبتزون الناس ويربونهم على التقوى ، هؤلاء من سيبني العراق؟!
السلاح هوية
العراقي يحمل السلاح مع مستنداته وأوراقه الشخصية وكيس الباميا وحزمة الفجل ويستعمله سوية مع الحوار ويتعارك بواسطته مع الغبار ويهزج به في الأعراس ويصقل السماء رصاصا ما أن يسجل منتخبه هدفا. لم يستخدم القلم كما استخدم الزناد ولم ينظف مكتبته كما لمـّع سلاحه. والكثيرون لا يخافون من أحد ولا من الله سبحانه وتعالى ولا يعترفون براع ولا برعية وأمام فظائع الجرائم المختلفة التي ترتكب فالكل في البلاد حتى العميان فيها يحملون السلاح ، وفي أي مكان ، حتى في غرف النوم. ولغة السلاح هي الأقرب في التفاهم والاحتفال والتعبير عن الذات والنفس والدماغ وما أنعم به من فكر ينحصر في سبطانة بندقية.
وفلسفة التفاهم بلغة السلاح صارت الطاغية والطاغية الوحيد الذي رحل خلف ورائه طغاة كالدود مروا بالأطوار نفسها من البويضة والشرنقة حتى اكتمال الأفعى.
السلاح تعويض لضعف وليس فيه قوة وشجاعة زائفة ما كانت تظهر أوقات الطغاة الحقيقيين والذي يشهر السلاح بوجه الأبرياء وأخوته في الوطنية، أظلّ وأبشع من دولة المجرمين الفاسدة التي ينبغي أن تطوى صفحتها.
للأطباء النفسيين وجهات نظر في مسألة الانحياز للسلاح لدى الكثير من العراقيين ، عرضها سيعقد من قضيتنا ، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم ، صدق عندما أعلن خشيته على النحو العميق والمبرهن كالتالي : " أخاف من الله وأخاف من لا يخاف الله ".
لصوص الفرح
منذ اللحظات التي أعقبت السقوط ، نزلوا الى الشارع بأسلحتهم وفرضوا سطوة القوة والجماعات على الناس وسرقوا الفرحة مباشرة من الشعب الذي طالما انتظر هذا اليوم.
مثل الدود الطفيلي والأفاعي والكلاب المتوحشة الضالة ، دمروا البلاد وأمعنوا في تدميرها ، هؤلاء من حمل السلاح بعد أن اطمأنوا بان الأمريكان لم يلمسوهم في بداية الأمر في أسابيع الفراغ الأمني والسياسي وقبل ظهور الشرطة وتأسيس الدولة العراقية الجديدة ، أسابيع قاهرة وجائرة لحملة السلاح و " أبطال الحواسم " كما يطلق عليهم محليا ، مارسوا النهب والابتزاز والسرقة والسطو المسلح وفرضوا قوانينهم الإجرامية على البلاد وبعد ظهور الدولة ، تداروا خلف الشعارات واللافتات السوداء والدجل بكل صوره .
وجد العراقي نفسه وحيدا معزولا أعزلا ، فريدا أمام موجة كاسرة من الأوباش ، فأي سلاح يمتلك شرف أو أقل ذرة من الغيرة ، إن لم يستخدم للدفاع عن العرض والوطن.
الأمريكان عندما سمحوا لهم في الأسابيع الأولى من فوضاهم ، بالسرقة والنهب لم يكونوا محتلين ولا غزاة ولا كفار ، ولكن ما أن بدأت مطارقهم الحديدية تهوى على اللصوص والمنحرفين والمخربين ، تحولوا الى محتلين وأصبح واجبا مقاتلتهم أينما يثقفونهم ، لصوص الحواسم صاروا بين ليلة وضحاها ألد أعداء للأمريكان ، وأنفسهم لم يوجهوا عليهم أسلحتهم عندما كانت جنازيرهم تمشط بغداد وتنفث شهرها وتغلق جسورها وتتمركز في ميادينها وبناياتها ومواقعها الحيوية.
المسلحون يفرضون الأتاوات على الناس في المدارس والمتاجر والعيادات وصالونات الحلاقة والصيدليات والأسواق الشعبية ، يركبون أحدث السيارات وبواسطتها يسلبون سيارات أخرى ويختطفون في وضح النهار الشبان والعجائز والأطفال ، النسوة والمقعدين ، بلا شفقة ولا حاجة. فالحاجة حسب بعض التفسيرات تدفع الى الجريمة ، لكن هؤلاء متخمين جدا وكما ذكرنا يمتلكون أفخر السيارات والإمكانيات ، ويشترون العقارات والسلاح والضمائر والوثائق بأي ثمن ، فلماذا التعمد والإمعان في الجرائم؟
تربية العنف
لم تكن البنادق والأسلحة النارية متاحة للعراقيين في العهد العثماني ، وما يتوفر منها كان لتبختر زعماء العشائر وعلية القوم. وبدخول القوات البريطانية الى البلاد صار استحواذ العشائر على السلاح الناري جزء من كيانها وأسلوبا لبقائها وطريقة لتحقق التفوق والنفوذ على القبائل الأخرى. بعدها تسلح الجيش والشرطة وكانت المعادلة متوازنة بين التسليح الحكومي والعشائري لغاية اليوم الذي سيطر فيه المسلحون على مقدرات البلاد بعد الإطاحة بالملكية في عام 1958. وانسجمت الروح القبلية مع طبيعة البعثيين الذين جاءوا من الريف واشتهروا منذ الأوقات الأولى لبروزهم بالعنف واستخدام السلاح لغاية اليوم الأغبر الذي جاء فيه صدام ورسخ فلسفة التسلح في المجتمع العراقي والدولة برمتها حيث بنى ترسانته المعروفة من الأسلحة التقليدية والبيولوجية والكيميائية التي استخدمها في حرب الثمان سنوات مع إيران قبل أن يفقدها في حربين خاسرين فيما بعد.
وشاع في المفهوم السيكولوجي العراقي أن الأقوى هو من يمتلك السلاح الأقوى وهو المحترم ، المهاب وعلى هذا الأساس ركز النظام على استعراض أسلحته باستمرار وكان رئيس البلاد يستخدمه علنا ابتداء من تحية الجيش وحتى حلقات الرقص.
وصلت الأمور الى فرض استخدام السلاح على الأطفال في مراسم رفع العلم في المدارس وتشجيع من يطلق النار منهم ومكافأتهم ، وأكد الكثيرون على أن صدام دفع ولديه قبل أن يكملا سن الرشد على تنفيذ الإعدام برفاقه عام 1979 وكان يحضهم باستمرار على استخدام السلاح وتنفيذ الأحكام بأيديهم.
وانتشرت فلسفة التسلح بتوجيهات رئاسية باستيراد لعب أطفال حربية من بنادق ودبابات وطائرات ومنع تلك الألعاب التي تسبب في " ميوعة " الأطفال وكانت وزارة التجارة العراقية تتفق مع شركات ألعاب أطفال شرق آسيوية لتصنيع الأسلحة مع صور القائد والأعلام العراقية. وكانت القصائد والأغاني التي تبثها وسائل الإعلام العراقية مصحوبة بصور من المعارك وعرض جثث القتلى خلال الفترات التي تجتمع بها العائلة ، تسليط مباشر لهذا النهج.
الهروب الأول
كانت حرب الخليج الأولى مفتتحا لتسليح مضاعف للشعب العراقي بأسلحة جيشه.
فالهروب الجماعي للجيش ، والذي تزامنت معه انتفاضة شعبية ، أدت الى استحواذ الشعب والقبائل على كل أسلحة الجيش الهارب وخاصة الخفيفة والمتوسطة.
وتسلح القبائل بأسلحة الجيش ، كان من أسباب عودة النظام إليها وتقديم التنازل تلو الآخر لها ، طالما كانت تلتزم بالحدود التي لا تهدده بعدها. ولأول مرة منح صدام ما يجري اليوم في مدينة الصدر ، صلاحية للعشائر باستلام السلاح من " المواطنين " مقابل المال.
افتتح صدام هذه العلاقة غير الوطنية بين الشعب والدولة منذ عام 1991 وتحديدا في مارس أبريل منها ، وتعمد في إثراء زعماء العشائر ، فهو من جهة كسب ولائهم ومن جهة أخرى استرد جزء من سلاحه.
وما أن تصور بأنه ضرب عصفورين بطلقة ، حتى أدرك بأن العشائر والناس لم تسلمه أو تبع له كل السلاح الذي استحوذت عليه بعد الحرب ، وشعر بأن التسليح تعدى الحدود التي رسمها له ، فأصدر عدة قرارات يعاقب فيها من بحوزته سلاح ، عدا المرخص. وهذه القرارات كانت تحصر السلاح بالميليشيات الحزبية التي زاد عددها في التسعينات وتحولت الى جيوش وفيالق من المتطوعين والمختارين.
الهروب الثاني
جرى في الحرب الأخيرة التي سقط فيها النظام وظهرت جهات أخرى تختلف عن الأولى سيطرت على أسلحة الجيش ومنها ميليشيا الأحزاب التي دخلت في 5 أبريل 2003 الى المناطق العراقية التي كانت تسقط بالتدريج وكانت هذه الميليشيات خبيرة ومتعطشة للسلاح في الوقت نفسه وكذلك العصابات التي أطلق النظام سراحها قبل سقوطها لما لها من باع في العمليات الواسعة النطاق والجريئة كسرقة أسلحة الجيش ومخازنه وغيرها من ممتلكات الدولة وثمة الجماعات القادمة من الخارج لاسيما التي دخلت من إيران وأضف إليهم القبائل وتجار الأسلحة المعروفين بعلاقاتهم مع نظرائهم في الأردن وسوريا ومناطق كردستان العراق.
وتم إخفاء السلاح العراقي في المزارع والمناطق النائية وكان متروكا في بساتين كما صورنا الكثير منه في تلك الأوقات وتم استخدام طريقة دفن السلاح بمخابئ تشبه الحفرة التي قبض فيها على صدام. واستخدموا أيضا طريقة نقل الأسلحة عبر الحدود وإخفائها هناك ، ومن ثم إعادتها.
هذه أهم أسباب ظهور سوق الأسلحة في العراق التي لكل قطعة فيها سعرها والتي لا يسمح المجال بعرض " برايس لست " لها هنا ، فالحكومة حددت أسعارها وتدفعها من جيبها حسب سعر الصرف في سوق مريدي !
التوبة الداكنة
سرقة السلاح من الدولة وبيعه عليها تحت قرع مروحيات الأجانب هو أكثر ما يؤذي اللوحة العراقية للتوبة ومنظر الفتيان الذين ينبغي أن يكونوا عود الأمة وجذعها وثمرتها وأوراقها اليانعة.
تعصف رياح مغبرة بكثافة سيارات السلاح المتخذة دورها في طوابير التهذيب والمال ، تمر أعيننا على الصواريخ التي أضحت ذهبا في جيوب اللصوص ، عدادات نفور يثير الجزع على حالنا وما علق بأيامنا ، ما أن تصهر بذلك الاحتكام المشوب بقوانين الأفاعي وسلخ جلدها مع الفجر المقحم عليها ، متناثر مبعثر ، كسلخ الأسلحة من جلد العراق.

سلخ جلد بغداد: حكاية موت شارع الرشيد


يتدحرج التاريخ من أحجاره التي لا تتنبأ العبارة ولا تجرؤ على السؤال. من الذي يمكنه زيارة بغداد ، دون السريان الهادئ فيه من ألفه الى يائه. معه لا تشعر أنك لوحدك ، فالمصادفات جميعها تمسكك لتبتكر معك الرغبة في الطواف بالموجودات. كأن كافة المارة أصحابك والنهار بطوله والمساء بتخفيه يثقفك : دعاماته والكتب المنثورة والمتسلقة حيطانه ، عتبات أطباء التوليد والنسائية وأفضل محلات النظارات ، قوزي " أبو سمينة " والباقلاء مع البيض والباجة وشوربة الجنود الصاحين مبكرا في ساحة الميدان.
وكما لغيره ، فأن لكل حصاة فيه معنى ، يشعرك بالمسير ، بأنك حي ، يثيرك ويرصف تقلبات اضطرابك ، يخلع عنك الضجر وازدحام الأماني ، معقل المتمردين والأشقياء ومؤسسي الأحزاب وكتبة البيانات الشعرية وقراء المخطوطات الأدبية ومحامو الدرجة الممتازة وسينمات العصر الزاهي من هذا الفن وآخر صيحات الأزياء المطلوبة من أرستقراطيي العاصمة وأقدم تسجيلات واسطوانات لا تجدها حتى عند ورثة عمالقة الغناء العربي.
هو جلد بغداد وشريانه ومهما فكر أي معماري أو مخطط مدن بغدادي فلن يظفر بمثله فهو الذي قال عنه الراحل جبرا إبراهيم جبرا : " في شارع الرشيد يكمن جوهر مدن التاريخ كلها ونهر دجلة الذي يشطر المدينة شطرين متناسقين يحمل في جريانه الوليد ذكرى حضارة عمرها آلاف السنين.. الشارع والنهر يتوازيان كالمادة وصورتها ، فالشارع المزدحم والمتمهل في وقت واحد ، إنما تجسيد لقوى النهر المثيل بالمثيل".
بحيلة خرافية يهدي التوازي شارع الرشيد أعذب الأنهار ، كما لو كانا يتناجيان في رجاء الانزواء. شكله الضاج ، برعم المدينة ، حنينها واستفاقة حماليها .. أطرافه : تناغم ليل آسر ورقاد مزين بالقناديل. شارع العواصف السياسية وقصائد هجاء الحكومة لشعراء لم يلفظ العراق مثلهم لا قبل ولا بعد. بقى الأكثر انبساطا ، حيث لا يداهمك التعب أينما تحل فيه ، ومهما قلبت أطراف جفنيك وبؤرة عينيك ، تراه نفسه في أي اتجاه.
المطبعات وأحرف المصححين ، المواعيد الأولى وموسيقى مختلف القرون وسجادات لا تتكرر وأفضل بطانيات لفتاح باشا وأخف أحذية لباتا وأول عواد وأعرق شربت وأكثف لبن ، لا تجدها سوى في انطلاقة الشارع السائر بك والمنسل إليك كضوء عشب.
حكاية الشارع
شارع الرشيد وفق مصطلحات المخططين أول شارع يعبد في العراق. يرجع تاريخه الى عام 1915 ، حيث بدأ كمركز تجاري وثقافي وترفيهي ، والذي لا يوجد مهندس معماري عراقي رصين ، إلا وترك له أثرا فيه.
والتاريخ المذكور مسجل للشارع المعبد العصري ، غير أن وجود الشارع يرتبط بالكثير من الأسواق التي كانت موجودة قبل إعلان تأسيس بغداد من قبل أبو جعفر المنصور في عام 762 م.
وسوق الثلاثاء ، الذي كان يجتمع فيه القرويون كل ثلاثاء لعرض بضاعتهم واقع في الضفة الشرقية من دجلة ، استمر نشاطه طوال الخلافة العباسية. ويمتد السوق الذي يسمى الآن سوق باب الآغا و الذي يعد نواة شارع الرشيد نحو الحيدرخانة ويرتبط بسوق السلطان الذي يطلق عليه حاليا ساحة الميدان التي تواجه القلعة التي امتدت فيها وزارة الدفاع الحالية التي تشير المخطوطات الى أنها كانت مبنية منذ عام 1338 م. والقلعة مفتتح شارع الرشيد ولأنها كانت دوما مركزا للجيش ، فقد اعتبرت مركزا للقوة والسلطة وفيما بعد للانقلابات والمؤامرات.
وكانت ساحة الميدان مركزا للتجمعات الجماهيرية والاحتفالات والأعياد وتعلن فيها بيانات الولاة وقراراتهم.
وباب السلطان ( طغرلبك ) المسمى حاليا باب المعظم فيحدد مدخل بغداد الشمالي في عهد الخليفة المستظهر المتوفي عام 1118 م وفيها مرقد الإمام الأعظم ويبدأ في ساحة الميدان وينتهي عند مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني.
أزقة دجلة
وخلافا لما هو شائع ، فأن أزقة شارع الرشيد لم تبدأ منه ، بل من دجلة ، عدا شارع النهر. فقد انبثقت أزقة بغداد الأولى من النهر وامتدت عموديا ومتعرجا الى كل المدينة باتجاه أبوابها الأربعة ( باب المعظم والوسطاني والطلسم وكلواذا ).
ويبدأ سوق العطارين المسمى حاليا الشورجة ، بشريعة التمر والمصبغة ويلتقي معه في شارع الكفاح حاليا ، يضاف إليه درب الإمام طه الذي يبدأ من جسر القوارب قرب جامع الأصفية. وهناك درب الكيلاني الذي يبدأ من السنك وينتهي بباب الطلسم.
والشريعة تطلق على المناطق التي تلتقي عندها الأزقة الرئيسية لدجلة ، وهي تمثل مراسي للزوارق والسفن التجارية والدوب المحملة بالبضائع.
من هذا المفهوم ، يعتبر نهر دجلة ، الشارع الرئيسي في بغداد ، من الناحية العملية. ولهذا السبب تأثرت كل الحركة في بغداد بنهر دجلة. وبنظرة مباشرة الى خارطة بغداد الحالية ، لا يعثر على أي تغيير في الشكل العام لها المحصور بين السور والنهر منذ الخلافة العباسية حتى الآن. وأول من رصد أزقة دجلة التي كونت شارع الرشيد فيما بعد كان الرحالة نيبهور عام 1765.
مرحلة الشوارع
ويعد والي بغداد مدحت باشا أول من فتح شوارع مستقيمة في المدينة لتأثره بتخطيط المدن الأوربية ، وأول من أدخل خط الترامواي رابطا الكاظمية ببغداد للمرة الأولى. وكان مدحت باشا يفكر في ربط باب المعظم بالباب الشرقي بشارع مستقيم هو الرشيد حاليا ، إلا أن فترة ولايته القصيرة لم تسمح له بتحقيق هذه الأمنية التي كانت غايتها بالدرجة الأولى تحقيق سرعة تحرك القوات العثمانية.
واستطاع خليل باشا في عام 1915 من تنفيذ فكرة مدحت باشا لذلك أطلق على شارع الرشيد في البداية اسم " خليل باشا جادة سي ". وساهم في بنائه رئيس البلدية وقتذاك رؤوف بيك الجادرجي الذي تأثر بما شاهده خلال دراسته بألمانيا واستعان بناء على هذا التأثر بخبراء ألمان لتنفيذ المشروع. وواجهت الفريق الذي شق شارع الرشيد صعوبات جمة أهمها أنهم كانوا يريدون بناء شارع مستقيم ، وهذا لا يمكن تحقيقه لاعتراض أزقة دجلة له خاصة عند شريعة الباججي وجامع السيد سلطان علي ومبنى المقيمية البريطانية في السنك ومعارضة رجال الدين باعتبار أن الشارع يشق أملاك وقفية كسوق الحيدرخانة وجوامع مرجان والسيد سلطان علي والمشكلة الأخرى كانت تعويض أصحاب العقارات التي ينبغي هدمها ليسيل الشارع باستقامة تامة.
توالي الدهور
ازدهر الشارع بالأفراح والمظاهرات واليافطات وصوروا فيه أول الأفلام وآخرها وبنيت على جانبيه 20 دارا للسينما وأغلب مقاهي بغداد الأدبية والشعبية واصطفت الكتب والمجلات في دورها ، خياطون وحلاقون وصائغون وصناع الحلويات وشهقت فيه أعلى بناية للاتصالات دمرتها الحروب المتوالية والنهب الناتج عنها.
بعد تقاطع حافظ القاضي ارتفعت في الشارع مباني أهم وأغنى البنوك في الشرق الأوسط منها البنك المركزي العراقي ومصرف الرافدين. وقطع السنك الجسر المسمى باسمه وشيد تمثال للرصافي وسطه وربما يشيدون لعبد الكريم قاسم تمثال آخر بعد أن رفع الناس تمثالا لعبد الوهاب الغريري الذي قتل أثناء محاولة اغتيال أول رئيس وزراء الجمهورية.
انطفاء الشارع
لا يعرف الشارع الآن من رآه قبل عقدين ، مهجور ، سائب ، محروق ، مغلقة معظم أسواقه ومحلاته الشهيرة. حركة السيارات فيه لا تعني عودة النشاط إليه ، قدر تعلق مسيرها وعبورها الى جهات أخرى من المدينة. لا داعي للسؤال واستجواب المارة والباعة المتجولين عن الأسباب ، فقد كان كل شيء واضح ، مات الشارع ، فأدار الناس ظهورهم عليه.
في سوق الشورجة والكفاح يمكن في أية لحظة أن يداهمك مسلحون ليأخذوا ما تحمل حتى لو أزرار قميصك ، السوق العربي الذي ألبس العراق وغذى كل مدنه بالبضاعة ، مسود لا ينقطع الدخان من حرائقه. مركز الاتصالات مدمر ومنهوب ، الأمريكان قطعوا شارع الرشيد قبل منطقة البنوك بعشرات الأمتار وسيجوها بالأسلاك الشائكة والمدرعات ، ووضعوا نقطة النهاية في شارع الرشيد عند الدبابة الأولى قبل البنك المركزي.
بدلا من الكتب والمسابح الشرقية والتحف واللوحات الفنية والأسطوانات المميزة ، ينشر باعة السمك بضاعتهم لقتل آخر الروائح الشهية في الشارع ويعرض اللصوص ما ملكوه قبل لحظات.
ضاع شارع الرشيد وهدمت أحجاره وكسفت هيبته وغطته القمامة من كل صوب ، تلاشت السينمات بلا رجعة واختفت مانيكانات آخر صيحات المودة ، تجمد الوقود في فوانيسه وتمزق هيكله كما لو حرثه محراث عملاق.
تحدق ، ترمي ببصرك هنا أو هناك ، علّ هذا المنظر طارئ والندوب طفيفة والأنقاض خدعة سينمائية.
لكن شارع الرشيد كبغداد ، جريح .. فما أن تشفى قروح المدينة ، حتى تصله الدماء ، لعلها لماما ، وفقا لحلم ذلك الباشا الذي رحل دون أن يرى شارعه المستقيم المزين بأنوار دجلة وفيء مائها الرطيب.