السبت، 17 سبتمبر، 2011

أنقرة- تل أبيب.. الاختلاف لا يفسد العلاقات


قضية دور اللوبي اليهودي في تركيا قد تسلط الضوء على العلاقات الإسرائيلية - التركية التي يكثر الحديث عنها هذه الأيام والتي لا يمكن فصلها عن مسارها التاريخي.
نشير إلى ان هذا التاريخ بحاجة إلى دراسات متخصصة متعددة الجوانب، إلا ان هذا العمل، سيحاول التوقف وبشكل سريع جدا عند أبرزها.
ثمة من يعتبر مجاراة تركيا للنشاط الإسرائيلي المكثف فيها، كمعادلة منها لهيمنة اللوبيين الأرمني واليوناني اللذين يؤلمان تركيا في الولايات المتحدة، وجزء منه يندرج في إطار إرضاء الغرب الذي توجهت إليه تركيا منذ مطلع القرن الماضي.
إن تركيا هي أول بلد إسلامي يعترف بإسرائيل وكان ذلك عام 1949 حيث دخل أول قنصل إسرائيلي إلى دولة إسلامية حتى رفعوا التمثيل الدبلوماسي إلى درجة سفير عام 1950. «وتركيا أول دولة إسلامية يزورها رؤساء إسرائيليون: حاييم هرتزوك وعزرا وايزمان»، وتبريرها هو وقف الخطر الشيوعي!، بينما كانت الدولة الحادية عشرة التي اعترفت بدولة فلسطين.
والمخطوطات رغم ندرتها، تحدثنا عن قوة تغلغل اليهود في الدولة العثمانية واستخدامهم الأسماء الإسلامية لهذا الغرض منذ قيام حركة «ساباتي زفي» ولغاية سيطرة أتباعه (السابتائيين) على المال والإعلام في تركيا، حتى أن أتاتورك نفسه تعلم في مدرسة يهودية. ولابد في هذا الصدد، معرفة أسباب نشوء حركة «الاتحاد والترقي» التي رقـّت الكثير من اليهود ليستلموا حقائب سيادية كالمالية والداخلية، حتى أنهم عينوا مدحت باشا واليا على العراق وهو يهودي.
وهكذا منذ تلك الأوقات، يغتالون السلاطين ويدعمون الجنرالات ويرقـّون هذا ويبطشون بذاك، ويوقعون المعاهدات السرية.
لقد وقفت تركيا ضد مصر عام 1951 حينما حاولت منع السفن الإسرائيلية من عبور قناة السويس، وتمت مكافأتها بضمّها إلى الحلف الأطلسي بعد أشهر.
كما أن رئيس وزراء تركيا عدنان مندريس نادى عام 1954 في الولايات المتحدة باحقية اليهود بدولتهم وتهجم على العرب، وسمح لعشرات الآلاف من يهود تركيا بالهجرة إلى فلسطين. ونشير الى أن جمال عبد الناصر كان يسمي تركيا «الدولة الممقوتة» بناء على هذه المواقف.
السيطرة على الإعلام
عدد لا يمكن أن يحصى للصحف اليهودية التي تصدر في تركيا، لكننا سنتوقف عند الواسعة الانتشار منها والتي طالما اعتمد عليها مراسلو الوكالات لنقل أخبار البلاد. مثلا، دار نشر وصحيفة حريت أسسها ويملكها الثري اليهودي بورلا بالاشتراك مع اليهودي الآخر سداد سماوي. كذلك «ميلليت» فتديرها العائلة اليهودية إيبكجي وجريدة بوليتيكا أسسها إسماعيل جم إيبكجي الذي أشرف على التلفزيون التركي أيضا. وكذلك صحيفتا جمهوريت وترجمان وغيرهما، فيما يعتبر اليهودي إيلي آجيمان امبراطور الاعلان التركي.
آباء اللوبي اليهودي
من أبرز اليهود الذين تحكموا بالسياسة التركية يوسف ناسي أو دوق ناكسوس والذي كان يشرف على تجارة البلاد في القرن الـ 16، وجاويد بك ودوره الرئيسي في خلع السلطان عبد الحميد وأحد مؤسسي «الاتحاد والترقي» وابراهام كاموندو الذي كان عمليا يحكم أسطنبول في القرن الـ 19 ومتر سالم مؤسس «مكابي» عام 1910 وموشيه آلاتيني الذي تدخل في التعليم وليفي دي منشه المهيمن على الصرافة والمال وبرنار ناحوم طاغوت الصناعة وجاك قمحي الذي رسم سياسة التنمية وتجار وصناعيين مثل: العملاقان قوتش وصابانجي ونسيم كاسادو واسحاق لاتون والبير بيلين وعزيز قارح وغيرهم.
سحب السفراء
إن إسرائيل توقعت سحب سفيرها منذ ديسمبر الماضي، ولعل أنقرة تأخرت في اتخاذ هذا القرار، حتى ان تل أبيب لم تعين بديلا لسفيرها المسحوب غابي ليفي رغم معرفتها أنه ذاهب إلى التقاعد.
وليست المرة الأولى التي تعلن فيها تركيا سحب السفراء، فقد فعلتها عام 1956 بعد العدوان الثلاثي، لكنها في الوقت نفسه، أقامت تحالفا سريا مع إسرائيل والحبشة في عهد هيلا سيلاسي. كما سحبت سفيرها عام 1979 احتجاجا على إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، لكن سرعان ما عادت المياه إلى مجاريها وبقوة أوقات توركت أوزال، لغاية لقاء الرئيسين وايزمان وديميريل الذي وصفوه بـ «اللقاء الحلم».
جاءت رئيسة الوزراء نانسو تشيلر لتعقد العزم على «التحالف مع الشيطان من أجل التخلص من العمال الكردستاني»، وفق قولها، ولكن لإسرائيل الكثير من المنظمات التي تؤرق منامها وتنغص عيشتها.
مما تقدم نلاحظ، أنه في كل المرات التي طردت فيها تركيا، السفير الإسرائيلي، يعقب ذلك تقدم كبير في العلاقات وتوقيع اتفاقيات تؤذي العرب.
مشاريع إسرائيلية
ومع ذلك أسس اللوبي في تركيا مركز الـ 500 عام وهو تاريخ خروج اليهود من اسبانيا وقدومهم إلى تركيا. وكذلك مشروع يلماز - بيريز لمد إسرائيل بالمياه التركية التي توقفها على سوريا والعراق، ما سمي حينها بمشروع «أنابيب السلام».
ودخلت إسرائيل باستثمارات زراعية قوية جدا في مشروع «الجاب»، ومثلها في الصناعات الحربية التركية وتطورت السياحة إلى حد أن اللحظة التي طرد فيها السفير الإسرائيلي قبل أيام، دخل تركيا ما لا يقل عن ربع مليون سائح إسرائيلي!
ولإسرائيل اتفاقية لاستغلال ميناء الاسكندرونة أيضا لمن لا يعرف، واتفاقيات في قطاعات الكهرباء والثقافة والأمن والجريمة المنظمة والتكنولوجيا والألياف البصرية وتبادل المعلومات والاتصالات ومد الكابلات في الشرق الأوسط والنقل (مرة قال وايزمان: ما أجمله من يوم ننتقل فيه من حيفا إلى تركيا عن طريق سوريا)، والتجارة الحرة والتجسس (فضيحة الصواريخ الروسية أس أس 300 التي وشت بها تل أبيب لأنقرة، ناهيك عن محطات التجسس المشتركة على الحدود مع العراق وسوريا وإيران والاجتماعات الدورية بين ضباط المخابرات بين البلدين). نقطة خطيرة في اتفاقية «رورو» التي وقعها مسعود يلماز ( رئيس الوزراء الذي خلف نجم الدين أرباكان الذي أطاحت به المؤسسة العسكرية لمواقفه السلبية من إسرائيل) بعد زيارته إسرائيل والتي وصفت بـ «التاريخية»، وهي إعادة تصدير البضائع الإسرائيلية (بعد تبديل علاماتها التجارية) إلى دول الخليج (ميلليت- 1998).
الاتفاقيات العسكرية
ويقال الآن، ان أنقرة أوقفت الاتفاقيات العسكرية، ولا نعلم هل بالضرورة ايقافها سيؤذي إسرائيل بشيء، لا سيما أن تركيا هي التي تشتري المعدات والتكنولوجيا العسكرية المتطورة من إسرائيل وتلامذتها يتدربون في تل أبيب وليس العكس، كما أنها ثاني أكبر قوة عسكرية في الناتو بعد الولايات المتحدة، الحليف الأكثر قوة لإسرائيل، وبالتالي لا تستطيع أنقرة مشاكسة تل أبيب.
حتى رئيس وزراء تركيا الأسبق نجم الدين أربكان الذي لا يعتبره الإسرائيليون حليفا جيدا لمعارضته الواضحة لسياستهم، برر التحالف العسكري مع الدولة اليهودية بالقول ان قطع الغيار للمقاتلات التركية موجودة لدى دولتين في العالم: الولايات المتحدة وإسرائيل؛ بمعنى أنها صفقة تجارية فحسب.
وهكذا منذ تأسيس إسرائيل كانت علاقة تركيا معها تشبه البندول، ولا أعتقد أن من الواجب علينا الجزع في صعودها والبهجة عند هبوطها.